الجنينة نت

أهلا وسهلا بك أيها الزائر الكيرم
نرجو لك مرورا ممتعا
الجنينة نت

ثقافي, سياسي, أدبي, فني إجتماعي

كنت أغفر لو أنني متُّ ما بين خيط الصواب وخيط الخطأ




   

لا تصالحْ..ولو وقفت ضد سيفك كل الشيوخْ....والرجال التي ملأتها الشروخْ....هؤلاء الذين يحبون طعم الثريدْ...وامتطاء العبيدْ....هؤلاء الذين تدلت عمائمهم فوق أعينهم.....وسيوفهم العربية قد نسيت سنوات الشموخْ


يا جِلَّقَ الشَّامِ إنّا خِلْقَةٌ عَجَبٌ.....
لم يَدْرِ ما سِرُّها إلاّ الذي خَلَقا

عداد الزوار

الجنينة نت

 

 

المواضيع الأخيرة

» أجمل ماقيل في الشعر الفصيح
الثلاثاء يوليو 15, 2014 12:26 pm من طرف لطفي الياسيني

» دموع
الثلاثاء يوليو 15, 2014 12:25 pm من طرف لطفي الياسيني

» سمراء
الثلاثاء يوليو 15, 2014 12:24 pm من طرف لطفي الياسيني

» انا الملوم انا الجاني على وطني / د. لطفي الياسيني
الثلاثاء يوليو 15, 2014 12:20 pm من طرف لطفي الياسيني

» مات الضمير وشيعوا جثمانه / د. لطفي الياسيني
الثلاثاء يوليو 15, 2014 12:17 pm من طرف لطفي الياسيني

» قصيدة في وصف فـلـسـطـيـن قبل النكبة / الحاج لطفي الياسيني
الثلاثاء يوليو 15, 2014 12:15 pm من طرف لطفي الياسيني

» الرحلة
السبت مايو 03, 2014 9:43 am من طرف تيسير نصرالدين

»  حول الوضع الثقافي الراهن
الثلاثاء أكتوبر 29, 2013 6:07 pm من طرف mriame

» صباح ..................مساء الخير من الجنينة
السبت يناير 19, 2013 10:47 pm من طرف سوسن سين

» كبة البطاطا بالبرغل
السبت يناير 19, 2013 10:39 pm من طرف سوسن سين

» عثمنة الخطاب السني الرسمي
الأربعاء ديسمبر 26, 2012 11:30 am من طرف تيسير نصرالدين

» الصفقة الصفيقة
الخميس نوفمبر 22, 2012 6:07 pm من طرف تيسير نصرالدين

» الإعلام
الثلاثاء أكتوبر 16, 2012 5:16 pm من طرف تيسير نصرالدين

» مجموعة جديدة
الأحد سبتمبر 23, 2012 10:24 am من طرف تيسير نصرالدين

» ثورة الحرابيق
الأحد سبتمبر 23, 2012 10:09 am من طرف تيسير نصرالدين

أفضل 10 أعضاء في هذا المنتدى

ماهر الفية - 4679
 
جارة القمر - 2726
 
تيسير نصرالدين - 2032
 
دلال - 1572
 
زينا - 792
 
سوسن سين - 607
 
زاهدة - 463
 
أميمة - 427
 
النابغة - 398
 
وسام - 389
 

أهلا وسهلا

 

أهلا وسهلا

---------------------

حقوق النشر

رجاء

نرجو من جميع الأخوة الأعضاء المشاركين والمساهمين

الإشارة إلى المصادر التي نستقي منها النص أو القصيدة

حتى نستطيع التقييم والتصنيف والإنصاف  للمادة المنشورة

وكي لا يضيع حق الكاتب .

يكفي الإشارة إلى كلمة منقول إذا كنا نجهل أسم الناشر .

نشكر تعاونكم

 

الإدارة

لوحات

 

سوريا الله حاميها

 

لوحات فنية

 

 

 

 

 

أعدّي لي الأرض كي أستريح

 

 

 

 

 

 

 


    غسان الثائر الباقي

    شاطر
    avatar
    نوال
    عضو نشيط
    عضو نشيط

    غسان الثائر الباقي

    مُساهمة  نوال في الأربعاء نوفمبر 03, 2010 6:38 pm

    لأن العيد اقترب ، ولأنها الغربة ، آثرت أن أتذكر فلسطين رغم البعد والشتات ولكن لفلسطين الف عيد
    أول اعيادها العملاق الحاضر دوماً " غسان كنفاني " ، كي أستلهم الصبر أو أخفف من مرارة العيد القريب الغريب ، أو لأن فلسطينية غسان تمنحنا الثقة والأمان في وطن لن يضيع ، ما دام غسان باقياً

    على كل ، لنبق مع كلمان غسان " الثائرة " ، وكل عام والوطن غالي وجميل وموجود


    - قضية الموت ليست على الإطلاق قضية الميت..إنها قضية الباقين

    - ربما كان الاسم الواحد كالعمر الواحد لا يكفي لإخراج كل ما يموج في الداخل.

    - إن الموت السلبي للمقهورين والمظلومين مجرد انتحار وهروب وخيبة و فشل.

    - ليس بالضرورة أن تكون الأشياء العميقة معقدة. وليس بالضرورة أن تكون الأشياء البسيطة ساذجة.. إن الإنحياز الفني الحقيقي هو: كيف يستطيع الانسان أن يقول الشيء العميق ببساطة.

    - الثورة وحدها هي المؤهلة لاستقطاب الموت..الثورة وحدها هي التي توجه الموت..و تستخدمه لتشق سبل الحياة.

    - لنزرع شهداءنا في رحم هذا التراب المثخن بالنزيف..فدائما يوجد في الأرض متسعا لشهيد آخر.

    - كل قيمة كلماتي كانت في أنها تعويض صفيق وتافه لغياب السلاح..و إنها تنحدر الآن أمام شروق الرجال الحقيقيين الذين يموتون كل يوم في سبيل شيء أحترمه.

    - لك شيء في هذا العالم .. فقم!

    - أنا أحكي عن الحرية التي لا مقابل لها..الحرية التي هي نفسها المقابل.

    - لا أرتد حتى أزرع في الأرض جنتي..أو أقتلع من السماء جنتها..أو أموت أو نموت معا

    - هذا العالم يسحق العدل بحقارة كل يوم!

    - ليس المهم أن يموت الانسان، قبل أن يحقق فكرته النبيلة، بل المهم أن يجد لنفسه فكرة نبيلة قبل أن يموت.

    - إن الفكرة النبيلة لا تحتاج غالباً للفهم بل تحتاج للإحساس..

    - إن الشجاعة هي مقياس الاخلاص .

    - إذا كنا مدافعين فاشلين عن القضية..فا لأجدر بنا أن نغير المدافعين..لا أن نغيرالقضية

    - الغزلان تحب أن تموت عند أهلها..الصقور لا يهمها أين تموت
    avatar
    ماهر الفية
    العضو الملكي
    العضو الملكي

    العمر : 35
    الموقع : الـجـنـيـنـة نـــت

    رد: غسان الثائر الباقي

    مُساهمة  ماهر الفية في الأربعاء نوفمبر 03, 2010 10:45 pm

    غسان كنفاني
    شاعر الوطن والارض
    ننهل من كلماته فلا نرتوي
    هو عملاق من العمالقة
    الذين يشار اليهم باصبع البنان
    وتجثو كل الكلمات امام كلماتهم وتتقزم
    شكرا لكِ لاتحافنا بكلمات هذا العملاق
    نوال
    كل الود وباقة ورد لكِ مني
    avatar
    جارة القمر
    العضو الملكي
    العضو الملكي

    العمر : 31
    الموقع : بين الأهداب

    رد: غسان الثائر الباقي

    مُساهمة  جارة القمر في الخميس نوفمبر 04, 2010 7:38 am

    Shocked نوال

    لاكلام بعد كلمك عن شاعر فلسطين غسان الكنفاني

    شكرآ لحروفك الثمينه غاليتي

    دمتي بعطاء وتميز
    avatar
    دلال
    العضو الماسي
    العضو الماسي

    رد: غسان الثائر الباقي

    مُساهمة  دلال في الجمعة نوفمبر 05, 2010 5:37 pm

    قالت الرائعة غادة السمان الرجال الحقيقيون لايمكن قتلهم الا من الداخل
    وهكذا كان غسان ريشة انبثقت في زمن الثورة والكبرياء رجلا علمنا كيف تكون الخيمة صانعة الرجال
    والفقر عنوان التحدي والأرض هي الروح التي لم تفارق البال
    كتاباته ما هي إلا تعبير عن أمل العودة والطريق الذي يجب علينا أن نسلكه
    ومعنى أن يكون للإنسان وطن يصمد فيه حتى الرمق الأخير

    المجد لقلبك والخلود لروحك غسان
    شكرا لك نوال


    _________________
    يا دمشق البسي دموعي سواراً ****** وتمنّي .. فكلُّ شيء يهونُ
    وضعي طَرحَةَ العروس لأجلي ****** إنَّ مَهْرَ المُناضلات ثمينُ
    avatar
    ماهر الفية
    العضو الملكي
    العضو الملكي

    العمر : 35
    الموقع : الـجـنـيـنـة نـــت

    رد: غسان الثائر الباقي

    مُساهمة  ماهر الفية في السبت نوفمبر 06, 2010 4:39 pm

    سيرة ذاتية للشاعر غسان كنفاني


    غسان كنفاني



    ٢ كانون الثاني (يناير) ٢٠٠٦بقلم


    ولد في عكا في التاسع من نيسان عام 1936، وعاش طفولته في - يافا التي اضطر للنزوح عنها كما نزح الآلاف بعد نكبة 1948، وأثر مجزرة دير ياسين التي وقعت في عيد ميلاده الثاني عشر، والتي جعلته ينقطع عن الاحتفال بـ " عيده " منذ ذلك التاريخ. اش لفترة قصيرة في جنوب لبنان ثم انتقل مع عائلته إلى دمشق حيث عمل منذ شبابه المبكر في حافة وظهرتبدايات إنتاجه الأدبي.
    أقام في بيروت منذ 1960 ، وعمل محرراً أدبياً لجريدة " الحرية " الأسبوعية ، ثم أصبح عام 1963 رئيسا لتحرير جريدة " المحرر " كما عمل في " الأنوار " و" الحوادث " حتى عام 1969 ليؤسس بعد ذلك صحيفة " الهدف " التي بقي رئيساً لتحريرها حتى يوم استشهاده في 8 تموز / يوليو 1972 بعد انفجار لغم في سيارته حيث قتل ومعه ابنة شقيقته " لميس نجم " وعمرها 17 عاماً .
    يتناول غسان كنفاني في كتاباته معاناة الشعب الفلسطيني في أكثر تجلياتها تعبيراً. " وهو يمثل نموذجاً خاصاً للكاتب السياسي والروائي والقاص والناقد.. "
    رواية رجال في الشمس ، التي ننشرها هنا ، أعدت للسينما وحصل الفيلم على عدد من الجوائز في مهرجانات متعددة.
    نقلت أعماله إلى ست عشرة لغة، ونشرت في عشرين بلداً. ومن مؤلفاته:
    موت سرير رقم 12 ( قصص ) 1961.
    أرض البرتقال الحزين ( قصص ) 1963
    رجال في الشمس ( رواية ) 1963
    عالم ليس لنا ( قصص ) 1965
    ما تبقى لكم ( رواية)1966
    القبعة والنبي ( مسرحية ) 1967
    العاشق ( رواية غير كاملة ) بدأ كتابتها عام 1966
    برقون نيسان ( رواية غير كاملة ) 71 - 72
    بالإضافة إلى مجموعة من الدراسات والمقالات السياسية والفكرية والنقدية.
    حصل على جائزة " أصدقاء الكتاب في لبنان " لأفضل رواية عن روايته " ما تبقى لكم " عام 1966 ، كما نال جائزة منظمة الصحافيين العالمية ( . I.O.J ) عام 1974، ونال جائزة " اللوتس التي يمنحها اتحاد كتاب آسيا وأفريقيا









    avatar
    ماهر الفية
    العضو الملكي
    العضو الملكي

    العمر : 35
    الموقع : الـجـنـيـنـة نـــت

    رد: غسان الثائر الباقي

    مُساهمة  ماهر الفية في الأحد نوفمبر 07, 2010 5:46 pm

    رسائل غسان كنفاني لغادة السمان

    أن تعشق,فهو امر عادي
    أما ان يكون العاشق غسان كنفاني..فهذا أمر مبهر حقا
    عندما تقرؤون كتاباته لغادة,ستجدون كم هو انسان اكثر مما هو اسطورة
    حملت على كاهلها هموم الشعب والقضية
    ستلمسون كم يكتب بعذوبة وبعاطفة مشبوبة


    الرسالة الأولى :

    " رسالة غير مؤرخة – لا أذكر التاريخ !
    لعلها أول رسالة سطرها لي "


    غادة..
    اعرف أن الكثيرين كتبوا لك، وأعرف أن الكلمات المكتوبة تخفي عادة حقيقة الأشياء، خصوصا إذا كانت تعاش وتحس وتنزف على الصورة الكثيفة النادرة التي عشناها في الأسبوعين الماضيين.. ورغم ذلك، فحين أمسكت هذه الورقة لأكتب كنت أعرف أن شيئا واحدا فقط أستطيع أن أقوله وأنا أثق من صدقه وعمق كثافته وربما ملاصقته التي يخيل إلي الآن أنها كانت شيئا محتوما، وستظل، كالأقدار التي صنعتنا: إنني أحبك.

    الآن أحسها عميقة أكثر من أي وقت مضى ، وقبل لحظة واحدة فقط مررت بأقسى ما يمكن لرجل مثلي أن يمر فيه ، وبدت لي تعاستي كلها مجرد معبر مزيف لهذه التعاسة التي ذقتها في لحظة كبريق النصل في اللحم الكفيف .. الآن أحسها ، هذه الكلمة التي وسخوها كما قلت لي والتي شعرت بأن علي أن أبذل كل ما في طاقة الرجل أن يبذل كي لا أوسخها بدوري .
    إنني أحبك: أحسها الآن والألم الذي تكرهينه – ليس أقل ولا أكثر مما أمقته أنا – ينخر كل عظامي ويزحف في مفاصلي مثل دبيب الموت. أحسها الآن والشمس تشرق وراء التلة الجرداء مقابل الستارة التي تقطع أفق شرفتك الى شرائح متطاولة .. أحسها وأنا أتذكر أنني أيضا لم أنم ليلة أمس وأنني فوجئت وأنا أنتظر الشروق على شرفة بيتي أنني – أنا الذي قاومت الدموع ذات يوم وزجرتها حين كنت أجلد – أبكي بمرارة لم أعرفها حتى أيام الجوع الحقيقي ، بملوحة البحار كلها وبغربة كل الموتى الذين لا يستطيعون فعل أيما شيء .. وتساءلت: أكان نشيجا هذا الذي أسمعه أم سلخ السياط وهي تهوي من الداخل.؟
    لا أنت تعرفين أنني رجل لا أنسى، وأنا أعرف منك بالجحيم الذي يطوق حياتي من كل الجوانب، وبالجنة التي لا أستطيع أن أكرهها .. وبالحريق الذي يشتعل في عروقي ، وبالصخرة التي كتب علي أن أجرّها وتجرني إلى حيث لا يدري أحد .. وأنا أعرف منك أيضا بأنها حياتي انا ، وأنها تنسرب من بين أصابعي أنا ، وبأن حبك يستحق أن يعيش الانسان له .. ورغم ذلك فأنا أعرف منك أيضا بأنني أحبك الى حد أستطيع أن أغيب فيه ، بالصورة التي تشائين ، إذا كنت تعتقدين أن هذا الغياب سيجعلك أكثر سعادة ، وبأنه سيغير شيئا من حقيقة الأشياء .

    أهذا ما أردت أن أقوله لك حين أمسكت الورقة ؟ لست أدري .. ولكن صدقيني يا غادة أنني تعذبت خلال الأيام الماضية عذابا أشك في أن احدا يستطيع احتماله ، كنت أجلد من الخارج ومن الداخل دونما رحمة ، وبدت لي حياتي كلها تافهة واستعجالا لا مبرر له ، وأن الله إنما وضعني بالمصادفة في المكان الخطأ لأنه فشل في أن يجعل عذابه الطويل الممض وغير العادل لهذا الجسد ، الذي أحتقر فيه قدرته غير البشريه على الصلابة ، ينحني ويموت ..

    إن قصتنا لا تكتب ، وسأحتقر نفسي لو حاولت ذات يوم أن أفعل ، لقد كان شهرا كالإعصار الذي لا يفهم ، كالمطر كالنار ، كالأرض المحروثة التي اعبدها إلى حد الجنون وكنت فخورا بك إلى حد لمت نفسي ذات ليلة حين قلت بيني وبين ذاتي أنك درعي في وجه الناس والأشياء وضعفي وكنت أعرف في أعماقي أنني لا أستحقك ليس لأنني لا أستطيع أن اعطيك حبات عينيّ ولكن لنني لن أستطيع الاحتفاظ بك الى الابد .
    وكان هذا فقط ما يعذبني .. إنني اعرفك إنسانة رائعة ، وذات عقل لا يصدق وبوسعك أن تعرفي ما أقصد : لا ياغادة لم تكن الغيرة من الآخرين .. كنت أحسك أكبر منهم بما لا يقاس ، ولم أكن أخشى منهم أن ذلك الشيء الوحيد الذي لا أستطيع أبدا إتقانه ولو أتقنته لما كنت الآن في قاع العالم .. لا ياغادة .. لم يكن ذلك الشعور الكئيب الذي لم يكن ليغادرني ، مثل ذبابة أطبق عليها صدري ، بأنك لا محالة ستقولين ذات يوم ما قلتِه الليلة .

    إن الشروق يذهلني ، رغم الستارة التي تحوله الى شرائح وتذكرني بألوف الحواجز التي تجعل من المستقبل – أمامي – مجرد شرائح .. وأشعر بصفاء لا مثيل له مثل صفاء النهاية ورغم ذلك فأنا أريد أن أظل معك، لا أريد أن تغيب عني عيناك اللتان أعطتاني ما عجز ك شيء انتزعته في هذا العالم من إعطائي ، ببساطة لأني أحبك ، وأحبك كثيرا يا غادة ، وسيدمر الكثير مني أن أفقدك ، وانا أعرف أن غبار الأيام سيترسب على الجرح ولكنني أعرف بنفس المقدار أنه سيكون مثل جروح جسدي : تلتهب كلما هب عليها الريح .
    انا لا أريد منك شيئا وحين تتحدثين عن توزيع الانتصارات يتبادر الى ذهني أن كل انتصارات العالم إنما وَزعت من فوق جثث رجال ماتوا في سبيلها .
    انا لا أريد منك شيئا ولا أريد – بنفس المقدار – أبداً أبدا أن أفقدك .
    إن المسافة التي ستسافرينها لن تحجبك عني ، لقد بنينا أشياء كثيرة معا لا يمكن ، بعد ، ان تغيبها المسافات ولا أن تهدمها القطيعة لأنها بنيت على أساس من الصدق لا يتطرق اليه التزعزع .
    ولا أريد أن أفقد " الناس " الذين لا يستحقون أن يكونوا وقود هذا الصدام المرّوع مع الحقائق التي نعيشها .
    ولكن إذا كان هذا ما تريدينه فقولي لي أن أغيب أنا .. ظلي هنا أنت فانا الذي تعودت ان أحمل حقيبتي الصغيرة وأمضي .
    ولكنني هذه المرة سأمضي وانا أعرف أنني أحبك وسأظل أنزف كلما هبت الريح على الاشياء العزيزة التي بنيناها معا .

    غسان
    avatar
    عتاب
    عضو نشيط
    عضو نشيط

    رد: غسان الثائر الباقي

    مُساهمة  عتاب في الإثنين نوفمبر 08, 2010 1:04 pm

    غسان كنفاني مبدع متعدد الأوجه والدلالات والأفكار،
    عميق الرؤية، مع كل مرة تقرؤه تكتشف شيئاً جديداً،
    إنه شبيه ببطل أسطوري،
    كلما رأيته اكتشفت في وجهه ملامح جديدة
    لروحة الخلود
    شكرا لك صديقتي نوال
    avatar
    ماهر الفية
    العضو الملكي
    العضو الملكي

    العمر : 35
    الموقع : الـجـنـيـنـة نـــت

    رد: غسان الثائر الباقي

    مُساهمة  ماهر الفية في الإثنين نوفمبر 08, 2010 1:40 pm

    الرسالة -2-

    رسالة غير مؤرخة لكن سياق الكلام فيها يدل على أنها كتبت في القاهرة اواخر تشرين الثاني ( نوفمبر ) وقبل 29-11-1966 بيوم او اثنين .

    عزيزتي غادة ..
    مرهق الى أقصى حد : ولكنك أمامي ، هذه الصورة الرائعة التي تذكرني بأشياء كثيرة عيناك وشفتاك وملامح التحفز التي تعمل في بدني مثلما تعمل ضربة على عظم الساق ، حين يبدأ الألم في التراجع ، سعادة الألم التي لا نظير لها ، أفتقدك يا جهنم ، يا سماء ، يا بحر ، أفتقدك الى حد الجنون ، الى حد أضع صورتك أمام عيني وأنا أحبس نفسي هنا كي أراك .

    ما زلت أنفض عن بذلتي رذاذ الصوف الأصفر الداكن ، وأمس رأيت كرات صغيرة منها على كتفي فتركتها هناك ، لها طعم نادر كالبهار .. انها تبتعث الدموع الى عيني أيتها الشقية . الدموع وأنا أعرف أنني لا أستحقك : فحين أغلقت الباب وتركتني عرفت ، عرفت كثيرا أية سعادة أفتقد إذ لا أكون معك ، لقد تبقت كرات صغيرة من الصوف الأصفر على بذلتي ، تشبثت بي مثلما أنا بك ، وسافرت بها الى هنا مثلما يفعل أي عاشق صغير قادم من الريف لأول مرة .

    لن أنسى ، كلا . فانا ببساطة أقول لك : لم أعرف أحدا في حياتي مثلك ، أبدا ، أبدا ، لم أقترب من أحد كما اقتربت منك أبدا أبدا ولذلك لن أنساك ، لا ... إنك شيء نادر في حياتي ، بدأت معك ويبدو لي أنني سأنتهي معك .

    سأكتب لك أطول وأكثر .. لقد أجلو المؤتمر الى 30 ولكنهم سيسفروننا غدا، الأحد الى غزة كي نشترك بمآتم التقسيم ، يا للهول ..
    ويبدو انه لن يكون بوسعي أن أعود للقاهرة قبل الرابع ، وسأكون في بيروت يوم 6 كانون الأول على أبعد تعديل .. الا اذا فررت من المؤتمر وأتيتك عدوا ..
    حين قرأ أحمد بهاء الدين حديثك لي خطفه * ، بل أجبرني على التعاقد معه لأكتب له مواضيع مماثلة .. قال لي وهو يهز رأسه : أخيرا أيها العفريت وجدت من يسكت شراستك ، سينشر الموضوع في ( المصور) ** التي علمت أنها توزع في كل البلاد العربية أعدادا هائلة وتحوز على ثقة الناس واحترامهم .. ولكنني بالطبع لا أعرف متى ..

    وزعت كتبك *** ، تحدثت عنك كثيرا ، فكرت بك ، بك وحدك .. وأنت لا تصدقين .. وأنت ( حين أعذب نفسي في المساء ) موجودة في الماي فير **** مع الناس والهواتف والضحك ..

    حاولي أن تكتبي لي : فندق سكرابيه شارع 26 يوليو ، القاهرة ، فسيكون أحلى ما يمكن أن يلقاني حين عودتي رسالة منك لأنني أعرف أنك لن تأتين ..

    اه يا عزيزة

    غسان كنفاني .
    avatar
    ماهر الفية
    العضو الملكي
    العضو الملكي

    العمر : 35
    الموقع : الـجـنـيـنـة نـــت

    رد: غسان الثائر الباقي

    مُساهمة  ماهر الفية في السبت نوفمبر 13, 2010 2:38 pm

    الرسالة رقم -3- ..

    كازينو الأندلس – غزة ******* فندق الأندلس – غزة

    فندق قصر البحر – غزة ****** كازينو هويدي – غزة


    غزة في 29-11-1966

    غادة ..
    كل هذه العناوين المسجلة فوق، على ضخامتها ليست إلا أربع طاولات على شاطئ البحر الحزين، وأنا، وأنت، في هذه القارورة من العزلة والضجر. إنه الصباح، وليلة أمس لم أنم فقد كان الصداع يتسلق الوسادة كجيوش مهزومة من النمل، وعلى مائدة الفطور تساءلت: هل صحيح أنهم كلهم تافهون أم أن غيابك فقط هو الذي يجعلهم هكذا ؟ ثم جئنا جميعا إلى هنا: أسماء كبيرة وصغيرة، ولكنني تركت مقعدي بينهم وجئت أكتب في ناحية، ومن مكاني أستطيع أن أرى مقعدي الفارغ في مكانه المناسب، موجودا بينهم أكثر مما كنت أنا.

    إنني معروف هنا، وأكاد أقول " محبوب "، أكثر مما كنت أتوقع، أكثر بكثير، وهذا شيء، في العادة، يذلني، لأنني أعرف بأنه لن يتاح لي الوقت لأكون عند حسن ظن الناس ، وأنني في كل الحالات سأعجز في أن أكون مثلما يتوقعون مني . طول النهار والليل أستقبلُ الناس، وفي الدكاكين يكاد الباعة يعطونني ما أريد مجاناً وفي كل مكان أذهب إليه أستقبل بحرارة تزيد شعوري ببرودة أطرافي ورأسي وقصر رحلتي إلى هؤلاء الناس وإلى نفسي.إنني أشعر أكثر من أي وقت مضى أن كل قيمة كلماتي كانت في أنها تعويض صفيق وتافه لغياب السلاح وأنها تنحدر الآن أمام شروق الرجال الحقيقيين الذين يموتون كل يوم في سبيل شيء أحترمه، وذلك كله يشعرني بغربة تشبه الموت وبسعادة المحتضر بعد طول إيمان وعذاب، ولكن أيضا بذل من طراز صاعق.

    ولكنني متأكد من شيء واحد على الأقل، هو قيمتك عندي.. أنا لم أفقد صوابي بك بعد، ولذلك فأنا الذي أعرف كم أنت أذكى، وأنبل وأجمل. لقد كنت في بدني طوال الوقت، في شفتي، في عيني، وفي رأسي، كنتِ عذابي وشوقي والشيء الرائع الذي يتذكره الإنسان كي يعيش ويعود.. إن لي قدرة لم أعرف مثلها في حياتي على تصورك ورؤيتك.. وحين أرى منظرا أو أسمع كلمة وأعلق عليها بيني وبين نفسي أسمع جوابك في أذني، كأنك واقفة إلى جواري ويدك في يدي، أحيانا أسمعك تضحكين، وأحيانا أسمعك ترفضين رأيي وأحيانا تسبقينني إلى التعليق، وأنظر إلى عيون الواقفين أمامي لأرى إن كانوا قد لمحوكِ معي، أتعاون معك على مواجهة كل شيء وأضع معك نصل الصدق الجارح على رقابهم، إنني أحبك أيتها الشقية كما لم أعرف الحب في حياتي، ولست أذكر في حياتي سعادة توازي تلك التي غسلتني من غبار وصدأ ثلاثين سنة ليلة تركت بيروت هنا.

    أرجوك.. دعيني معك. دعيني أراك . إنك تعنين بالنسبة لي أكثر بكثير مما أعني لك وأنا أعرف ولكن ما العمل ؟ إنني أعرف أن العالم ضدنا معاً ولكنني أعرف أنه ضدنا بصورة متساوية، فلماذا لا نقف معا في وجهه ؟ كفّي عن تعذيبي فلا أنا ولا أنت نستحق أن نسحق على هذه الصورة. أما أنا أذلني الهروب بما فيه الكفاية ولست أريد ولا أقبل الهروب بعد، سأظل، ولو وُضع أطلس الكون على كتفي، وراءك ومعك. ولن يستطيع شيء في العالم أن يجعلني أفقدك فقد فقدت قبلك، وسأفقد بعد، كل شيء.

    " إنني لا أستطيع أن أكرهك ولذلك فأنا أطلب حبك " (*).. أعطيك العالم إن أعطيتني منه قبولك بي.. فأنا أيتها الشقية، أعرف أنني أحبك وأعرف أنني إذا فقدتك فقد أثمن ما لديّ، والى الأبد..

    سأكتب لك وأنا أعرف أنني قد أصل قبل رسالتي القادمة، فسأغادر القاهرة يوم 5 كانون وتأكدي: لا شيء يشوقني غيرك.

    غسان كنفاني.


    --
    (*) هذه العبارة استشهاد لغسان من إحدى رسائله الوجدانية لي المنشورة في زاوية " أوراق خاصة " في جريدة المحرر، وغير المنشورة بعد في " الأعمال الكاملة لغسان كنفاني ". وكان غسان يحمل مسودات رسائله إلي التي ينشرها وذلك بعد أن تقوم المطبعة بصفها، وقد احتفظت بتذكارات منها بخطه، لكنني لم أنشرها في هذا الكتاب، إذ من المفروض أن تصدر في مجلد خاص بها في " الأعمال الكاملة لغسان كنفاني " ما دام قد اختار أن ينشرها بنفسه في الصحف خلال حياته. غادة السمّان
    avatar
    نوال
    عضو نشيط
    عضو نشيط

    رد: غسان الثائر الباقي

    مُساهمة  نوال في السبت نوفمبر 13, 2010 8:48 pm

    الصديقة
    دلال وحنين وعتاب
    أشكر مروركم اللبق وأتمنى لكم كل الخير
    دمتم بود أحبتي Shocked
    avatar
    نوال
    عضو نشيط
    عضو نشيط

    رد: غسان الثائر الباقي

    مُساهمة  نوال في السبت نوفمبر 13, 2010 8:52 pm

    صديقي الرائع شموخ
    كل الشكر والأمتنان لك صديقي على أغنائك لهذا الموضوع بهذة الرسائل
    أمنياتي لك بكل الخير
    دمت بأمان صديقي po
    avatar
    ماهر الفية
    العضو الملكي
    العضو الملكي

    العمر : 35
    الموقع : الـجـنـيـنـة نـــت

    رد: غسان الثائر الباقي

    مُساهمة  ماهر الفية في الأحد نوفمبر 14, 2010 2:04 pm

    نوال كتب:صديقي الرائع شموخ
    كل الشكر والأمتنان لك صديقي على أغنائك لهذا الموضوع بهذة الرسائل
    أمنياتي لك بكل الخير
    دمت بأمان صديقي

    ولا يهمك صديقتي نوال وهذه الرسالة الرابعة اقدمها للجميع




    الرسالة -4-

    20-1-1967


    عزيزتي غادة ..

    ماذا تريدين أن أقول لك ؟ الآن وصلت إلى المكتب ، الساعة الثانية ظهرا ، لم أنم أبدا حتى مثل هذه الساعة إلا أمس ودخلت مثلما أدخل كل صباح : أسترق النظر إلى أكوام الرسائل والجرائد والطرود على الطاولة كأنني لا أريد أن تلحظ تلك الأشياء لهفتي وخيبتي ، اليوم فقط كنت متيقنا أنني لن أجد رسالة منك ، طوال الأيام ال 17 الماضية كنت أنقب في كوم البريد مرة في الصباح ومرة في المساء ، اليوم فقط نفضت يدي من الأمر كله ، ولكن الأقدار تعرف كيف تواصل مزاحها ، لقد كانت رسالتك فوق الكوم كله ، وقالت لي ! أقول لك: دمعت.
    منذ سافرتِ سافرت آني، وإلى الآن ما تزال في دمشق وأنا وحدي سعيد أحيانا، غريب أحيانا وأكتب دائما كل شيء إلا ما له قيمة .. حين كنتِ في المطار كنت أعرف أن شيئا رهيبا سيحدث بعد ساعات: غيابك وتركي للمحرر (1) ، ولكنني لم أقل لك . كنتِ سعيدة ومستثارة بصورة لا مثيل لها وحين تركتك ذهبت إلى البيت وقلت للمحرر أن كل شيء قد انتهى.

    إنني أقول لك كل شيء لأنني أفتقدك، لأنني أكثر من ذلك، " تعبت من الوقوف " بدونك .. ورغم ذلك فقد كان يخيل إلي ذات يوم إنك ستكونين بعيدة حقا حين تسافرين.

    ولقد آلمتني رسالتك، ضننتِ علي بكلمة حارة واحدة واستطعت أن تظلي أسبوعا أو أكثر دون أن أخطر ببالك. يا للخيبة! ورغم ذلك فها أنا أكتب لكِ. مع عاطف (2) شربنا نخبكِ تلك الليلة في الماي فير (3) وتحدثنا عنك وأكلنا التسقية (4) بصمت فيما كان صاحب المطعم ينظر إلينا نظرته إلى شخصين أضاعا شيئا .

    متى سترجعين ؟ متى ستكتبين لي حقا ؟ متى ستشعرين أنني استحقك ؟ إنني انتظرت، وأنتظر، وأظل أقول لك : خذيني تحت عينيك ..
    غسان

    ---
    (1) جريدة المحرر البيروتية ، حيث كان غسان يعمل .
    (2) عاطف السمرا : صديق حميم من أصدقائي وغسان .
    (3) مقهى في الروشة .
    (4) فتة الحمص وكنا نذهب آخر الليل للعشاء في مطعم شعبي يعدها في ( الطريق الجديدة ) قرب المقاصد، حتى صار صاحب المطعم يتوقع حضورنا كل ليلة مع الأصدقاء، ويعاتبنا إذا غبنا.
    avatar
    ماهر الفية
    العضو الملكي
    العضو الملكي

    العمر : 35
    الموقع : الـجـنـيـنـة نـــت

    رد: غسان الثائر الباقي

    مُساهمة  ماهر الفية في الخميس نوفمبر 18, 2010 2:59 pm

    الرسالة -5-

    24-1-1967
    غادة .. يا حياتي !

    كيف تقولين لي "لا ألومك ، لك الحق .. في الدفاع عن توقيتك لرحلة صيد انتهت؟" كيف تفكرين لحظة واحدة بأن هذا التعيس الذي ينتظرك كما ينتظر وطنا ضائعا يفعل ذلك ؟ كيف تعتقدين أن ذلك الرجل الذي سلخت الشوارع قدميه، كالمجنون الطريد ، ينسى أو يوقّت أو يدافع عن نفسه أو يهاجم؟ ولكنني أغفر لك، مثلما فعلت وأفعل وسأظل أفعل ، لأغفر لك لأنك عندي أكثر من أنا وأكثر من أي شيء آخر ، لأنني ببساطة "أريدك وأحبك ولا أستطيع تعويضك"1 ، لأنني ابكي كطفل حين تقولين ذلك وأحس بدموعي تمطر في أحشائي ، وأعرف أنني أخيرا مطوق بك ، بالدفء والشوق وأنني بدونك لا أستحق نفسي !.

    أنت ، بعد ، لا تريدين أخذي، تخافين مني أو من نفسك أو من الناس أو من المستقبل لست ادري ولا يعنيني. ما يعنيني أنك لا تريدين اخذي ، وأنا أصابعك قريبة مني ، تحوطني من كل جانب ، كأصابع طفل صغير حول نحلة ملونة : تريدها وتخشاها ولا تطلقها ولا تمسكها ولكنها تنبض معها .. أعرف أعرف حتى الجنون قيمتك عندي ، أعرفها أكثر وأنت غائبة وأمس رأيت عمارات الروشة ، صدقيني، عارية مثل الأشجار سلخها الصقيع في البراري ، تطن عروقها الرفيعة في وجه السماء كأنها السياط...بدونك لاشيء . وهذا يحدث معي لأول مرة في عمري التعيس كله .

    لماذا أنت معي هكذا؟ إنني أفكر بك ليل نهار، أحيانا أقول أنني سأخلصك مني ويكون قراري مثل قرار الذي يريد أن يقذف بنفسه في الهواء، أحيانا أقول أنني سأتجلد، أنني كما توحين لي أحيانا ، أريد أن أدافع وأهاجم وأغير أسلوبي، أحيانا أراك : أدخل إلى بيتك فوق حطام الباب وأضمك إلى الأبد بين ذراعي حتى تتكونا من جديد، عظما ولحما ودما ، بحجم خاصرتك .. ولكنني في أعماقي أعرف أن هذا لن يحدث وأنني حين أراك سأتكوم أمامك مثل قط أليف يرتعش من الخوف ..
    فلماذا أنت معي هكذا ؟ أنت تعرفين إنني أتعذب وأنني لا أعرف ماذا أريد. تعرفين إنني أغار، وأحترق وأشتهي وأتعذب . تعرفين أنني حائر وأنني غارق في ألف شوكة برية .. تعرفين .. ورغم ذلك فأنت ، فوق ذلك كله تحولينني أحيانا إلى مجرد تافه أخر، تصغرين ذلك النبض القاتل الذي يهزني كالقصبة، معك وبدونك.

    أحيانا تأخذينني على محمل أقل ذكاء مما ينبغي . مَنْ الذي رأيته أيتها الغالية، في الثامنة والنصف من آخر كنت فيها في بيروت؟ إنه شيء تافه وصغير ولكن يبدو أنني أحيانا أتوقف لأقتلع من راحة يدي شوكة في حجم نصف دبوس.. ألا تفهمين أن هذا الذي ينبض داخل قميصي هو رجل شرقي خارج من علبة الظلام؟ حتما تعرفين. أنت هائلة في اكتشاف مقتلي لذلك تهربين مني أحيانا، لذلك "لا تقولين" ولذلك بالذات تقولين!

    لنجعل من نفسينا معا شيئا أكثر بساطة ويسرا، لنضع ذراعينا معا ونصنع منهما قوسا بسيطا فوق التعقيدات التي نعيشها وتستنزفنا .. لنحاول ذلك على الأقل .. أنت عندي أروع من غضبك وحزنك وقطيعتك. أنت عندي شيء يستعصي على النسيان ، أنت نبيّة هذا الظلام الذي أغرقتني أغواره الباردة الموحشة وأنا لا أحبك فقط ولكنني أؤمن بك مثلما كان الفارس الجاهلي يؤمن بكأس النهاية يشربه وهو نازف حياته ، بل لأضعه لك كما يلي : أؤمن بك كما يؤمن الأصيل بالوطن والتقي بالله والصوفي بالغيب . لا كما يؤمن الرجل بالمرأة!

    كتبت لك منذ أربعة أيام أو أكثر، لم أكن أعرف عنوانك قبل ذلك ، وكتبتها يوم وصلت رسالتك إلىّ، بعد خمسة أيام من وصول رسالتك لعاطف.. وأرسلت لك فيها قصاصات (يقولون هذه الأيام في بيروت وربما أماكن أخرى، إن علاقتنا هي علاقة من طرف واحد، وأنني ساقط في الخيبة. قيل في الهورس شو – احد مقاهي الأدباء في الستينيات في بيروت- أنني سأتعب ذات يوم من لعق حذائك البعيد. يقال أنك لا تكترثين بي وأنك حاولت أن تتخلصي مني ولكنني كنت ملحاحا كالعلق . يشفقون على أمامي ويسخرون مني ورائي ويقرأون لي كما يقرأون نماذج للشاعر المجنون.. ولكن ذلك كله يظل تحت ما أشعره حقا، فأنا أحبك بهذه البساطة والمواصلة التي لا يمكن فهمها في شارع الحمراء ، ولا على شفاه التافهين)

    أرى عاطف أحيانا يمر على مكتبي ونتحدث عنك ولكنه يشعر بالبرد فيذهب إلى بيته ، أما أنا فالبيت أكثر بردا من أن أذهب إليه.. يسألني عن شخص مسافر إلى لندن ، وأعتقد أنك طلبت منه أن يرسل شيئا لك .. إنه في صحة جيدة ويضحك دائما وموجود في كل مكان، كما تعرفينه ، ومنذ أسبوع تقريبا ، ذهبنا وشربنا معا كأسا صامتا حوالي ساعتين .. وأمس ليلا كان هنا وقال لي أنه سيكتب لك، فقلت له : أما أنا فقد فعلت . ضحك وقال: 12 صفحة ؟

    منذ ذهبت سافرت آني لدمشق، وحتى الآن لم تعد فالطريق مغلق بالثلوج والجو بارد ولكن سيارتي تتقد دائما وعجلاتها لا تكف عن سلخ الإسفلت، دونما هدف. الراديو أخرس ما يزال، والشوفاج فوضي والزمور لا يصرخ إلا إذا انعطفت لليسار والسائقون الآخرين مستعجلون كما كنا نراهم دائما لا افتح لهم الطريق إلا مع شتيمة وليلة أمس غيرت عجلا تحت المطر قرب المكان الذي غيرت فيه يوما عجلا صعبا معك ، وحين انتهيت خيل لي أن وجهي كان مغسولا بالدموع لا بالمطر : فقد فتحت باب السيارة وتوقعت أن يسقط رأسك المتكئ على الباب كما حدث ذلك اليوم.

    تعالي، يا أجمل وأذكي وأروع قطة في هذا العالم كله. ألم تشتاقي لماكس والقرد المدهوش والحطاب الغاضب والعجّانة – تماثيل في بيت غادة كان يطلق غسان عليها الأسماء ويحاورها على رأسها بومة اسماها ماكس- ألم تشتاقي لغسان؟

    كنت أسفا جدا حين كتبت لك عن تلك الألمانية والتي نسيت اسمها الآن . خشيت أن تتصوري أنني امتع نفسي بطريقة أو بأخرى.
    لا . لقد كانت كأسا باردة لكحول عمياء أمام طاولة رجل طريد. إن الحرية لا يمكن أن تكون شيئا يأتي من الخارج، وأنا الآن طليق لأبعد حد، ولكنني حين ألتفت اسمع أصوات السلاسل الغليظة تخش وترن في صدري..

    أريد أن اكتب لك ، أن اكتب لك كل لحظة، ليل نهار : في الشمس التي بدأت تشرق بحياء، تحت سياط الصقيع، في الصباح البارد والمساء والعتمة ، في ضياعي وجنوني وموتي (اطمئني : إن صحتي جيدة ، وآخر ثلاثة أيام كنت مريضا جدا ولكنني لم انم ، واليوم أحسن) لم اكتب شيئا في روايتي، أعمل في المحرر كما كان العبيد العرايا في التجديف، لدي فكرة مسرحية سترينها في الأوراق الخاصة – اسم زاوية غسان في جريدة المحرر- لا أعرف متى سأكتبها.. اعرف فقط إنني انتظرك .
    أنتظرك . أنتظرك . أنتظرك . وأفتقدك أكثر من توق رجل واحد أن يفتقد امرأة واحدة ، وأحبك ، ولن اترك سمائي التي تحدثت عنها "تفجر الثلوج" ، فأنني فخور بخطواتنا ولا أريد لشيء حتى للسماء أن تكنسها.

    غسان كنفاني

    بيروت (الآن وغدا وإلى الأبد)
    ولكنه صادف أن كتب يوم 24/1/1967

    avatar
    ماهر الفية
    العضو الملكي
    العضو الملكي

    العمر : 35
    الموقع : الـجـنـيـنـة نـــت

    رد: غسان الثائر الباقي

    مُساهمة  ماهر الفية في الأربعاء ديسمبر 01, 2010 7:45 pm

    الرسالة – 6-

    بيروت 31 / 1 / 1967

    عزيزتي غادة ..

    وصلتني رسالتاك، فيهما قصاصات من الأوراق الخاصة1 . بحركة صغيرة شحطة واحدة فوق نهايات الأحرف أعدت لي عالمي المعني والتوهج وجلدني الشوق لك وأسرني ذكاؤك الذي أفتقده بمقدار ما أفتقد كفيك وكتفيك ..

    أيتها الشقية الحلوة الرائعة ! ماذا تفعلين بعيدا عني؟ أقول لك همسا ما قلته اليوم لك على صفحات الجريدة2: "سأترك شعري مبتلا حتى أجففه على شفتيك!" أنني أذوب بالانتظار كقنديل الملح : تعالي!

    أحس نحوك هذه الأيام – أعترف- بشهوة لا مثيل لها. إنني أتقد مثل كهف مغلق من الكبريت وأمام عيني تتساقط النساء كأن أعناقهن بترت بحاجبيك. كأنك جعلت منهن رزمة من السقط محزومة بجدولتك الغاضبة الطفلة.. لا . ليس ثمة إلا أنت . "إلى أبدي وأبدك وأبدهم جميعا" .. وسأظل أضبط خطواتي ورائك حتى لو كنت هواء.. أتسمعين أيتها الشقية الرائعة ؟ حتى لو كنت هواء! ولكنني أريدك أكثر من الهواء. أريدك أرضا وعلما وليلا.. أريدك أكثر من ذلك .. وأنتِ؟؟

    ليس لدينا أخبار كثيرة هنا. آني عادت فجأة. أرى عاطف وكمال غالبا وأمس سهرت مع ارتين ومع فواجعه و"بوزاته" .. عاطف جاء أمس ودخل إلى المكتب غاضبا وتشاجر مع كمال لأنه لم يره منذ فترة ثم سألني: أين كنت يوم السبت؟ غادة أرسلت شخصا وفتشت عليك في المكتب والبيت طوال الليل والنهار! يا عاطف العزيز كنت في البيت وفي والمكتب! لا . نعم . وانتهي الأمر هنا. غدا صباحا أسافر إلى القاهرة لحضور مؤتمر الصحفيين العرب وسأعود الاثنين أو الأحد .. هل سأجدك هنا ؟ سيكون عنواني هناك : ( بواسطة مروان كنفاني، جامعة الدول العربية ، قسم فلسطين) . اكتبي لي، فقد يكون المطر غزيرا هناك، أحتاج إلى حروفك لأفرش أمامها راحتي التواقتين لك!

    بلي. خبر مهم : احدهم وزع خبرا على الصحف يوم الجمعة الماضي: " وسيتم في جو عائلي، خلال الأسبوع القادم ، زفاف الزميل غسان كنفاني على الأديبة الممتعة غادة السمان.. " المحررون في الصحف عرفوا فرموا الخبر. في آخر لحظة اتصل بي زميل من الصحيفة ما يريد أن يبارك لي ويعاتبني على عدم أخباره .. ثم أخذ يركض إلى المطبعة فشال السطرين الهائلين عن الطابعة .. مرت العاصفة وأنا غير مكترث .. لم تكن غلطة الذي دس الخبر ولكن غلطة السنوات الخمس التي مرت، لا شيء . مزيدا من الذين سيقولون : سيتعب ذات يوم من لعق حذائها. مسافر من دمشق جاء ليقول لي أن دمشق تتحدث عنك، حسنا، وعني . قال إن الأوراق الخاصة تظهر أنك معذب ومهزوم وتصطدم بالزجاج كأنك ريح صغيرة . ثم نظر إلى وأنا صامت وأبلغني : حرام

    اكتبي لي .. لماذا لا تكتبين ؟ لماذا ؟ لماذا أيتها الشقية الحلوة؟ أتخافين مني أم من نفسك أم من صدق حروفك؟ اكتبي ..

    غسان

    -------------------------------
    1- كان يكتب لي رسائل وجدانية في زاويته (أوراق خاصة) ويرسلها إلى في لندن، فكتبت له مرة رسالة على هامش رسالته.
    2- استشهاد من زاويته أوراق خاصة في جريدة المحرر
    avatar
    ماهر الفية
    العضو الملكي
    العضو الملكي

    العمر : 35
    الموقع : الـجـنـيـنـة نـــت

    رد: غسان الثائر الباقي

    مُساهمة  ماهر الفية في الأربعاء ديسمبر 01, 2010 7:51 pm

    فندق كليوباترا
    ليل 1 / 2 /1967

    عزيزتي غادة .. يلعن ...!

    ما الذي يحدث؟ تكتبين لكل الناس إلا لي؟ اليوم في الطائرة قالي لي سليم اللوزي أنك كتبت له ولأمية – زوجته- ولم اعد اذكر، قالي ليكمال انه تلقي رسالة منك .. وآخرين ! فما الذي حدث ؟ لا تريدين الكتابة لي معلش ! ولكن انتبهي جيدا لما تفعلين : ذلك سيزيدني تعلقا بك!

    اليوم صباحا وصلت إلى القاهرة ، وفي الظهر مرضت، ربما لأني لم انم أمس إطلاقا ، وربما لأن الطقس تغير فجأة : من البرد الخبيث المتسلل من الجبل إلى بيروت، (إلى قميصي بالذات!) إلى الشمس الصريحة في الدفء الشتوي الرائع هنا.. وهكذا تخلصت من مسؤولياتي في المؤتمر، وتشاجرت مع شقيقي وقمت بجولة في المقاهي حيث قابلت الأصدقاء وعدت، لأكتب لك!

    يكبر غيابك في صدري بصورة تستعصي على العلاج ، يدهشني أنني لم أجد في المطار شخصيا يقول لي : رسالة لك يا سيدي من لندن، يخفق قلبي كلما دق جرسالهاتف في هذه الغرفة العالية ثم لا أسمع صوتك ينادي كالوشوشة: "غهسآن!" أقول لك أيتها الشقية: أخاف أن التفت في هذه اللحظة إلى الكرسي المقابل فلا أراك هناك! ماذا تراك تفعلين الآن؟ أعوضت غسانك التعيس ؟ هل وفقت في استبدال سذاجته وحدته وضيق افقه وسخافاته (واستقامته الطفلة) بشيء أكثر جدوى؟ اتعتقدين انك نجحت في طمري تحت أوراق "سقوطهم إلى القمة" هل نجحت قطع الضباب بلندن في تكوين نعش لذكرياتنا؟ هل جف مرج الشوك الحلو؟ هي ستعودين ؟

    لو كنت هنا. لو كنت معي في هذه الغرفة البعيدة العالية لكان العالم. دونك لا يستطيع الجدار أن يخبئ شيئا . أتراك تشعرين كم يموت من عمرنا أمام عيوننا؟ أتراك تحسين وأنت في منفاك الاختياري كم يقتلني خوفك وكم يحز ترددك في أوردتي؟ ثلم لا تكتبين! إذا كنت تعتقدين إنك حرام على يدي فهل حروفك حرام على عيني؟ ومع ذلك فسأترك بيادر القش تلتهب في صدري وجسدي حتى يأتي ذات يوم تطفؤها فيه راحتاك. أنت . أيتها المرأة قبل ألف مرة من أن تكوني أديبة وكاتبة. أنت الأديبة والكاتبة والذكية التي تجعل منك ألف امرأة

    إنني مريض حقا. لا أريد أن أشعرك بأي قلق على (إن كان ذلك ممكنا) ولكن الغرفة تدور الان، وكالعادة احتاج كما اعتقد إلى نوم كثير.. بطاقتك التي وصلتني إلى بيروت (شو هالبرد) كانت رائعة هل قلت لك ذلك في الرسالة الماضية ؟ أريد أن أجد لدى عودتي صندوقا من الرسائل في حجم شحنة الويسكي. أوصيت زميلا أن يحمل لك 20 علبة من (سالم) – نوع من السجائر- سمعت عاطف يقول أنه تلقي منك طلبا بهذا الموضوع، أرجو أن يكونوا قد وصلوا، أذا ما وصلوا لا تنفخي مع دخانهم اعتزازي بك، وبكل شيء لك ومنك وعنك

    غسان

    اليوم الأربعاء .. اعتقد أنني سأعود السبت إلى بيروت، أريد أن اقرأ منك!
    avatar
    ماهر الفية
    العضو الملكي
    العضو الملكي

    العمر : 35
    الموقع : الـجـنـيـنـة نـــت

    رد: غسان الثائر الباقي

    مُساهمة  ماهر الفية في الأربعاء ديسمبر 01, 2010 7:52 pm

    هذه العبارة سطرها على مظروف الرسالة
    من الخارج ! (تاريخها 1/2/1967)

    أدهشني حين وصلت إلى القاهرة أنني لم أجد
    رجلا ينتظرني هناك ويقول هذه الرسالة لك يا سيدي
    من لندن ...

    يذهلني أنني حين ارفع سماعة الهاتف في هذه الغرفة
    العالية لا أسمع على الطرف صوتك ..

    أقول لك : يخيفني أن ارفع راسي الآن، عن هذه الرسالة،
    فلا أجدك جالسة في المقعد المقابل ..
    avatar
    ماهر الفية
    العضو الملكي
    العضو الملكي

    العمر : 35
    الموقع : الـجـنـيـنـة نـــت

    رد: غسان الثائر الباقي

    مُساهمة  ماهر الفية في الثلاثاء ديسمبر 14, 2010 3:52 pm

    فندق كليوباترا

    القاهرة 4/2/1967

    عزيزتي الشقية ، الضائعة ، المسافرة التي لا تتذكر‍

    غداً ظهراً سأكون من جديد في الفراغ الجديد في بيروت، لقد حدثت أمور هامة هنا منذ وصلت، فقد أبلغتني المنظمة التي انتدبتني لتمثيل فلسطين في المؤتمر السياسي لاتحاد الصحفيين العرب أنها قررت فجأة ، ولأسباب تافهة كما يبدو لم يقدر لي أن أعرفها، أن تقاطع المؤتمر ، وهكذا وجدتني فجأة بلا عمل ، وجعلني هذا الوضع أكثر استعداداً لأن أسقط في المرض الذي كنت أترقبه بجزع، وأمس حدث ما كنت أتوقعه : فقد أمضيت معظم نهاري في الفراش. كنت في الليلة التي سبقت قد حولت صدري إلى زجاجة معبأة بالدخان المضغوط ، دخنت 6 علب وأمضيت النهار التالي أسعل وأدخن وأسعل وأدخن من جديد ، وأمس ليلا كان جسدي قد تعب من هذه اللعبة واستسلم أمام عنادي، وهكذا قمت فسهرت عند بهاء ثم اقتادني الأصدقاء بعد ذلك إلى الليل ونمت في الصباح...وغداً الأحد سأعود ، إذا لم يطرأ أي جديد .

    عبر ذلك كله جئتِ أنت ِ ، وكنت معي رغم أنفك ورغم جميع الذين كانوا معك والذين كانوا معي ، وفكرت بك بهدوء ، كما يجلس الإنسان العاقل ليلعب الشطرنج معتزماً أن يربح الجولة بأي ثمن ، وقلت لنفسي : يا ولد ، أنت أصغر من أن تكون دونها وأعجز من أن تغلق الباب . كان "الملك" ،على رقعة الشطرنج ، معذباً وبعيداً عن جواده وقلعته ورغم ذلك فقد كان يقاتل بكل دمائه النبيلة، ناجحا في أن يتجنب التلطيخ بوحل الميدان الشاسع وحمأ الهزائم . كان يعرف أن التراجع موت وأن الفرار قدر الكذابين. ، إنه فارس اسبارطي حياته ملتصقة على ذؤابة رمحه، يعتقد أن الحياة أتفه من أن تعطيه ، وأنه أكبر من أن يستجدي، ولكنه يريد أن يأخذ وأن يعطي بشرف مقاتل الصف الأول. ليس لديه ما يفقده ورغم ذلك فهو يعرف أنه إذا فقد هذا الشيء الوحيد الذي يعتز به فإنه سيفقد نفسه. إنه المقاتل والخصم والميدان والسلاح في وقت واحد معاً ، فكيف يربح وكيف يخسر؟ كيف يكون التقدم وكيف يكون التراجع : هذه هي أيتها الشقية لعبة شطرنج لا تنتهي، يظل اللاعب حاضناً رأسه الثقيلة بين كوعيه يتبادل النظر مع الملك الصامت على الرقعة المزدحمة بخبب السنابك المهزومة ،دون أن تستطيع الجياد مغادرة الرقعة المقطعة بأقدار الرجال والخيول والملوك الذين يذلهم أنهم لم يولدوا على صهوات خيلهم كما تولد التوائم السيامية .

    إنني أريدك بمقدار ما لا أستطيع أخذك، وأستطيع أن آخذك بمقدار ما ترفضين ذلك ، وأنت ترفضين ذلك بمقدار ما تريدين الاحتفاظ بنا معاً ، وأنت وأنا نريد أن نظل معا بمقدار ما يضعنا ذلك في اختصام دموي مع العالم.. إنها معادلة رهيبة ، ورغم ذلك فأنا أعرف بأنني لست أنا الجبان، ولكنني أعرف بأن شجاعتي هي هزيمتي ، فأنت تحبين ، فيّ، أنني استطعت إلى الآن أن لا أخسر عالمي ، وحين أخسره سأخسرك، ومع ذلك فأنا أعرف أنني إذا خسرتك خسرته.
    avatar
    ماهر الفية
    العضو الملكي
    العضو الملكي

    العمر : 35
    الموقع : الـجـنـيـنـة نـــت

    رد: غسان الثائر الباقي

    مُساهمة  ماهر الفية في السبت ديسمبر 25, 2010 2:39 pm

    بيروت3/نيسان1967



    يا غادة!

    تلقيت رسائلك جميعا، ولم يؤخرني عن الجواب إلا ذلك الغرق المخيف في أشغال لا نهاية لها توجها مؤتمر الكتاب الأفرو آسيوي الذي عقد هنا خلال الأسبوع الماضي وشغلني من الفجر إلى النجر..كان اسمك في قائمة الكتّاب الذين يمثلون سوريا وكنت أقرؤه كل يوم ، وأقول مثلما قلتِ في إحدى رسائلك: إن ما يدور مفجع حقاً!

    وعبر هذا الازدحام الذي لا مثيل له أنهمك كالمصاب بالصرع في كتابة المسرحية التي تحدثنا عنها في السيارة ذات يوم ، ذات ليلة..إنني أستشعر وأنا أكتبها طعم صوتك وبريق عينيك الإلهيتين في تلك الليلة النادرة التي كناها معاً ( أواه كم كان ذلك نادراً ومفاجئاً وقصيراً!) وأحس كفيك على جبيني المحروق تستحثني مثلما يستحث المهماز خاصرة الأصيلة . أسميتها "حكاية الشيء الذي جاء من الفضاء وقابل رجلاً مفلساً" وأمس اقترحت لنفسي عنواناً آخر: "النبي والقبعة" على أساس أن القبعة تستر رأس الرجل من الخارج والنبيّ يستره من الداخل..ومازلت في حيرة ، ولكن المسرحية تمشي على ما يرام . إنني أكتبها لك!

    لنعد إلى رسائلك الرائعة ورسائلي "المفجعة" ..أجل ، أيتها الشقية، أنا غاضب ومهرق ومطعون..كنتِ تلك الليلة مريعة. آخر ليلة .كنتِ مثلما أردتك دائماً معي وحدي ولكنك لم تكوني معي، وكان هو وكنتِ سعيدة إلى حد زلزلني صوتك الضاحك وفتح في رئتيّ جرحاً ما زلت أحس نزيفه يبلل قميصي: لقد عملتُ في المكتب مثل كلب لاهث ، ألغيت، لأول مرة في حياتي ، دعوة كنت وجهتها لصديق مسافر في اليوم التالي وركضت إليكِ: لا إن ذلك لا يحتمل.

    وأمس فقط وصلتني رسالتك التي يقول أولها غسان ويأتي توقيعك في آخرها وبين هذين القلبين السياميين فراغ ثقيل يملؤه البياض : أبغض الألوان إليّ. وفكرت أن أملأ ذلك الفراغ. أن أكتب عنك لنفسي شيئاً . أن أجيب على هذا السؤال الذي طرحته ورقتك البيضاء في وجهي: مالذي أريد أن تقوله لي؟ قلت :سأكتب "أنا لك" ولكن ذلك – حتى ذلك- لم يكن يكفي . قلت سأكتب : " أحبك وأريد أن.." أريد ماذا؟ وعدت فقرأت رسائلك جميعاً وأنا أرتجف ..آه يا غادة..أيتها الشقية التي لم ترتطم إلا بالشقيّ !

    دونك أنا في عبث . أعترف لك مثلما يعترف المحكوم أخيراً بجريمة لم يرتكبها وهو في طوق المشنقة ، كي يبرر لنفسه نهاية لا يريدها.

    أنا أعرف أنك لن تعودي إلى هنا . كنت أعرف ذلك منذ البدء ، تماماً حين كنتِ، بذكائك الذي يخونك حين تكذبين ، تقولين لي كم سيكون مستقبل علاقتنا مستقراً ...وكنتُ أبكي بتلك الدموع المروّعة (التي لا تُرى) مرتين: مرة لأنك ستمضين ومرة لأنك تشكّين برأسي!

    وكيف حالك الآن؟ كم صار سُمك الغبار الذي راكمته لندن فوق وجهي ؟ أما أنتِ فقد دخلت إلى عروقي وانتهى الأمر ، إنه لمن الصعب أن أشفى منك.

    لقد كانت رسائلك رائعة وحادة . حمّلني عذابُك ولؤمك ثقل المسؤولية والشعور بالذنب ولكن ذلك لم يكن له علاقة بالاقتناع : إنني أريدك وأحبك وأشتهيك وأحترمك وأقدس حرفك.. ولست أقبل تلوين ذلك بأي طلاء أو وضعه في صيغ التحفظ . لا. لست عاجزاً عن إعطاء أكثر مما أعطيت ولكنك دائماً –أنتِ- التي كنت عاجزة عن الأخذ . كنت تحسبين نبضي ونبضك على جدول اللغريتمات ، كنت تختارين مني أسوأ ما فيّ وتمزجينه مع ما اخترتِ من أسوأ تجاربك، وكانت الحصيلة قزماً توقعتِ منه أن يدخل فرحاً إلى غرفة أنت فيها بملابس النوم مع رجل آخر ، عشية غيابك،! لقد قتلتِ فيّ الرجل لتعبدي وهماً ليس أنا..ووجدتِ في اندفاعي فرصتك لتريْ كيف تستطيعين تعذيبي

    وكيف حالك الآن؟ كم صار سُمك الغبار الذي راكمته لندن فوق وجهي ؟ أما أنتِ فقد دخلت إلى عروقي وانتهى الأمر ، إنه لمن الصعب أن أشفى منك.

    لقد كانت رسائلك رائعة وحادة . حمّلني عذابُك ولؤمك ثقل المسؤولية والشعور بالذنب ولكن ذلك لم يكن له علاقة بالاقتناع : إنني أريدك وأحبك وأشتهيك وأحترمك وأقدس حرفك.. ولست أقبل تلوين ذلك بأي طلاء أو وضعه في صيغ التحفظ . لا. لست عاجزاً عن إعطاء أكثر مما أعطيت ولكنك دائماً –أنتِ- التي كنت عاجزة عن الأخذ . كنت تحسبين نبضي ونبضك على جدول اللغريتمات ، كنت تختارين مني أسوأ ما فيّ وتمزجينه مع ما اخترتِ من أسوأ تجاربك، وكانت الحصيلة قزماً توقعتِ منه أن يدخل فرحاً إلى غرفة أنت فيها بملابس النوم مع رجل آخر ، عشية غيابك،! لقد قتلتِ فيّ الرجل لتعبدي وهماً ليس أنا..ووجدتِ في اندفاعي فرصتك لتريْ كيف تستطيعين تعذيبي !

    وكان عليك أن تتوقعي ما حدث : لم أصدق قط أنك ضد أخذ العلاقة إلى مداها . أنت امرأة حقيقية حتى كعب حذائك وقد عرفتُ ذلك. إذن ما الذي كان يرغمك على بناء جدار الجليد ؟ رجل آخر؟ مزيداً من الذل؟ أمور أكثر تعقيداً ؟ لماذا لم تعتقدي لحظة أنني قد آخذ من هذه الاتهامات متراساً أصد به الرماح التي كانت تنال من رجولتي ورغم ذلك: انظري ما الذي ضيّعناه! انظري ! عام كامل من المشي على الزجاج المطحون لماذا؟ من المسؤول؟ كيف تريدين أن أتصرف ؟ هاك دواء يصلح للتحنيط، ضعيه في عروقي واجعلي مني شطرين أسند رف كتب تافه في غرفة لك، لا أعرف من فيها!

    تريدين أن تقولي لي أن روعة علاقتنا كانت في أنها لم تكن؟إنني لا أصدق . ولست أريد أن أصدق. إنني لا أقيس جسدي بصيغ التهرب والخذلان ، وأقول لك: اليوم وغداً وإلى الأبد أنك أهنتِ فيّ ما أعتز به أكثر مما كتبت وأكتب وسأكتب.

    يبدو أننا سنتشاجر مرة أخرى..ولكن أرجوك يا غادة. اجلسي لنفسك قليلاً واستعيدي ما فعلته بي عاماً كاملاً ، كان الصمت أكثر من الكلام. كان البعد أكثر من القرب. كان الوهم أكثر من الحقيقة . كان الرفض أكثر من القبول. كان التحايل أفظع من المواجهة...لقد حرصتِ مثلاً في الأيام الأخيرة على المطالبة بأسطواناتك بانتظام وبإصرار، ولكنك أبداً لم تفكري بكم أحتاج لآلة التصوير ولأسطواناتي..وسافرتِ دون أن تكترثي! إنها تلخص شيئاً أكبر من مجرد هذه الأشياء : لو فكرتِ قليلاً. لو عدلتِ. لو أعدتِ بينك وبين نفسك تقييم ما كنتِه لي وما كنته لك ...لو عرفت أنني في عام كامل كنتُ دائماً عندك ولك!

    يا حبيبتي الشقية..ما الذي يبقى ؟ ما قيمتي الآن دونك وما نفع هذا الضياع ونفع هذه الغربة؟ لم يكن أمامنا منذ البدء إلا أن نستسلم : للعلاقة أو للبتر، ولكننا اخترنا العلاقة بإصرار إنسانين يعرفان ما يريدانه..لقد استسلمنا للعلاقة بصورتها الفاجعة والحلوة ومصيرها المعتم والمضيء وتبادلنا خطأ الجبن: أما أنا فقد كنت جباناً في سبيل غيري ، لم أكن أريد أن أطوّح بالفضاء بطفلين وامرأة لم يسيئوا إليّ قط مثلما طوّح بي العالم القاسي قبل عشرين عاماً، أما أنت فقد كان ما يهمك هو نفسك فقط.. كنت خائفة على مصيرك وكنتُ خائفاً على مصير غيري، وقد أدى الارتطام إلى الفجيعة لا هي علاقة ولا هي بتر ..أتعتقدين أننا كنا أكثر عذاباً لو استسلمنا للقطيعة أو لو استسلمنا للعلاقة؟ لا!

    أما أنا فأريد العلاقة . ذلك " الاستسلام الشجاع" لحقيقة الأشياء ...تحدثتِ أنتِ عن " أكثر الميتات كرامة" ..هل تقولين أينها؟ في العلاقة أم البتر؟ قولي شيئاً بحق الشياطين!

    سأظل أكتب لك. سأظل .وسأظل أحبك. وستظلين بعيدة..وستظل قدمي تنتفض باتجاه مكبح السيارة كلما مررت في رأس النبع وشهدت سيارتك واقفة هناك على الرصيف ..أنتِ تسكنين فيّ .أنتِ. وليس "كلماتك" كما كتبت لي.أنتِ ‍


    ..لكِ

    غسان كنفاني
    avatar
    عتاب
    عضو نشيط
    عضو نشيط

    رد: غسان الثائر الباقي

    مُساهمة  عتاب في الأحد ديسمبر 26, 2010 10:23 am

    غسان كنفاني أحد أهم أعلام الأدب النضالي الفلسطيني .. و أنا أعتبر أن القلم هو سلاح يخيف الاسرائليين أكثر من البندقية.. لأنهم يخشون أكثر من الأسلحة التي تحركها العقول ..
    الجانب العاطفي في حياة الأديب هو الركن البعيد الذي تتبلور فيه أفكاره و هواجسه الأولى لبدء الكتابة.. و هو أيضا ملاذه الإنساني من واقعه الذي يكون عادة غير متوافق مع حالته الشعورية .. و حين يصبح هذا الملاذ بؤرة جديدة من العذاب -و هذا حتمي في معظم الأحيان- أزعم حينها أنه يبدأ بالارتقاء بعطائة الفكري على الورق ...
    رحمك الله ياغسان


    عراب أشكرك على مجهودك الكبير المبذول هنا
    avatar
    ماهر الفية
    العضو الملكي
    العضو الملكي

    العمر : 35
    الموقع : الـجـنـيـنـة نـــت

    رد: غسان الثائر الباقي

    مُساهمة  ماهر الفية في الأحد يناير 02, 2011 2:05 pm

    غادة..

    لست أعرف ماذا يتعين عليّ أن أكتب لك..لقد أرسلت لك رسالة مطولة منذ أسبوع ، ومع ذلك فرسائلك تقول أنك لم تتسلمي شيئاً ، وأنا أشعر بالذنب، وأخشى أن تعتقدي للحظة أنني ألعب دوراً ، أو أن نبضي لك قد أخذ يخفق في فراغ، أو أنه صمت ، أو أنه اتجه نحو مرفأ آخر: دونك أيتها الغالية لا شيء ولا أحد ..وغيابك – ليكن من يكن الذي سيختاره – لن يعوض.. بعدك مستحيل. دونك لا شيء ولكن غيرك غير ممكن.

    أنت في جلدي، وأحسك مثلما أحس فلسطين : ضياعها كارثة بلا أي بديل ، وحبي شيء في صلب لحمي ودمي ، وغيابها دموع تستحيل معها لعبة الاحتيال.

    لقد وقع الأمر ، ولا فرار..العذاب معك له طعم غير طعم العذاب دونك ، ولكنه ، عذاب جارح ، صهوة تستعصي على الترويض.

    إنني أكره ما يذكرني بك ، لأنه ينكأ جراحاً أعرف أن شيئاً لن يرتقها. أنا لا أستطيع أن أجلس فأرتق جراحي مثلما يرتق الناس قمصانهم...ويا لكثرة الأشياء التي تذكرني بك : الشعر الأسود حين يلوّح وراء أي منعطف يمزّع جلدي ، النظارات السود ما تزال تجرحني....السيارات ، الشوارع ، الناس ، الأصدقاء الذين تركتِ على عيونهم بصماتك ، المقاعد ، الأكل ، الكتب ، الرسائل ، المكتب ، البيت ، الهاتف ، كل ذلك ، كله..هو أنت ، وقبله : أذكرك طالما أنا أنا..وحين أنظر إلى كفيّ أحسك تسيلين في أعصابي..وحين تمطر أذكرك ، وحين ترعد أسأل: من معها؟ وحين أرى كأساً أقول : هي تشرب؟ ثم ماذا؟

    لقد صرت عذابي ، وكتب عليّ أن ألجأ مرتين إلى المنفى ، هارباً أو مرغماً على الفرار من أقرب الأشياء إلى الرجل وأكثرها تجذراً في صدره : الوطن والحب .

    وإذا كان عليّ أن أناضل من أجل أن أسترد الأرض فقولي لي: أنت ِأيتها الجنية التي تحيك، كل ليلة ، كوابيسي التي لا تحتمل ..كيف أستردك؟

    أقول لك ، دون أن أغمض عينيّ ودون أن أرتجف : إنني أنام إلى جوارك كل ليلة، وأتحسس لحمك وأسمع لهاثك وأسبح في بحر العتمة مع جسدك وصوتك وروحك ورأسِك ، وأقول وأنا على عتبة نشيج : يا غادة يا غادة يا غادة...

    وأغمض عينيّ.

      الوقت/التاريخ الآن هو الثلاثاء أكتوبر 17, 2017 1:43 am