الجنينة نت

أهلا وسهلا بك أيها الزائر الكيرم
نرجو لك مرورا ممتعا
الجنينة نت

ثقافي, سياسي, أدبي, فني إجتماعي

كنت أغفر لو أنني متُّ ما بين خيط الصواب وخيط الخطأ




   

لا تصالحْ..ولو وقفت ضد سيفك كل الشيوخْ....والرجال التي ملأتها الشروخْ....هؤلاء الذين يحبون طعم الثريدْ...وامتطاء العبيدْ....هؤلاء الذين تدلت عمائمهم فوق أعينهم.....وسيوفهم العربية قد نسيت سنوات الشموخْ


يا جِلَّقَ الشَّامِ إنّا خِلْقَةٌ عَجَبٌ.....
لم يَدْرِ ما سِرُّها إلاّ الذي خَلَقا

عداد الزوار

الجنينة نت

 

 

المواضيع الأخيرة

» أجمل ماقيل في الشعر الفصيح
الثلاثاء يوليو 15, 2014 12:26 pm من طرف لطفي الياسيني

» دموع
الثلاثاء يوليو 15, 2014 12:25 pm من طرف لطفي الياسيني

» سمراء
الثلاثاء يوليو 15, 2014 12:24 pm من طرف لطفي الياسيني

» انا الملوم انا الجاني على وطني / د. لطفي الياسيني
الثلاثاء يوليو 15, 2014 12:20 pm من طرف لطفي الياسيني

» مات الضمير وشيعوا جثمانه / د. لطفي الياسيني
الثلاثاء يوليو 15, 2014 12:17 pm من طرف لطفي الياسيني

» قصيدة في وصف فـلـسـطـيـن قبل النكبة / الحاج لطفي الياسيني
الثلاثاء يوليو 15, 2014 12:15 pm من طرف لطفي الياسيني

» الرحلة
السبت مايو 03, 2014 9:43 am من طرف تيسير نصرالدين

»  حول الوضع الثقافي الراهن
الثلاثاء أكتوبر 29, 2013 6:07 pm من طرف mriame

» صباح ..................مساء الخير من الجنينة
السبت يناير 19, 2013 10:47 pm من طرف سوسن سين

» كبة البطاطا بالبرغل
السبت يناير 19, 2013 10:39 pm من طرف سوسن سين

» عثمنة الخطاب السني الرسمي
الأربعاء ديسمبر 26, 2012 11:30 am من طرف تيسير نصرالدين

» الصفقة الصفيقة
الخميس نوفمبر 22, 2012 6:07 pm من طرف تيسير نصرالدين

» الإعلام
الثلاثاء أكتوبر 16, 2012 5:16 pm من طرف تيسير نصرالدين

» مجموعة جديدة
الأحد سبتمبر 23, 2012 10:24 am من طرف تيسير نصرالدين

» ثورة الحرابيق
الأحد سبتمبر 23, 2012 10:09 am من طرف تيسير نصرالدين

أفضل 10 أعضاء في هذا المنتدى

ماهر الفية - 4679
 
جارة القمر - 2726
 
تيسير نصرالدين - 2032
 
دلال - 1572
 
زينا - 792
 
سوسن سين - 607
 
زاهدة - 463
 
أميمة - 427
 
النابغة - 398
 
وسام - 389
 

أهلا وسهلا

 

أهلا وسهلا

---------------------

حقوق النشر

رجاء

نرجو من جميع الأخوة الأعضاء المشاركين والمساهمين

الإشارة إلى المصادر التي نستقي منها النص أو القصيدة

حتى نستطيع التقييم والتصنيف والإنصاف  للمادة المنشورة

وكي لا يضيع حق الكاتب .

يكفي الإشارة إلى كلمة منقول إذا كنا نجهل أسم الناشر .

نشكر تعاونكم

 

الإدارة

لوحات

 

سوريا الله حاميها

 

لوحات فنية

 

 

 

 

 

أعدّي لي الأرض كي أستريح

 

 

 

 

 

 

 


    من روائع الأدب العالمي

    شاطر
    avatar
    جارة القمر
    العضو الملكي
    العضو الملكي

    العمر : 31
    الموقع : بين الأهداب

    من روائع الأدب العالمي

    مُساهمة  جارة القمر في الأربعاء ديسمبر 01, 2010 9:55 am

    هانس كريستيان اندرسن*
    ترجمة : د . زهير شليبة
    كان يا ما كان في قديم الزمان، كان هناك أميرٌ فقيرٌ. كان يملكُ مملكة، لكنها صغيرة جدا
    ، و مع ذلك كانت كافيةً ليتمكن من الزواج، وهذا ما كان يريد
    .
    وكان فعلا لديه ما يكفي من الشجاعة ليتجرأ على طلب يد
    إبنة القيصر: هل تريدينني ؟ ولكنه تجرأ على ذلك بالتأكيد لان إسمه كان واسع الإنتشار
    ومعروفا، وكان هناك مئات الاميرات اللواتي سيوافقن بإمتنان، ولكن لنرى هل وافقت إبنةُ القيصر هذه.
    و علينا أن نصغي الان:
    نَمَتْ على قبر والد الامير شجرةُ وردٍ، آه، يا لها من شجرةِ وردٍ جميلةٍ،
    كانت ُتزهرُ وردةً جوريةً واحدةً فقط كلَّ خامس سنة، ولكنها كانت وردةً ذات
    عطرٍ شذيٍّ للغاية لدرجة أن المرء لمجرد أن يشمَّها ينسى كلَّ أحزانِه وهمومِه،
    وكان عنده أيضا عندليب يغني غناءً عذبا وكأن كلَّ الالحان ِ العذبة قد سكنت في
    حنجرته. وقد تقرر أن تأخذ الاميرةُ الوردةَ والعندليب، ولهذا ُوضع كلٌّ منهما في علبةٍ فضيةٍ كبيرةٍ
    و تمَّ إرسالهما إليها.
    سمحَ القيصرُ لهم بحمل العلبتين أمامه والدخول إلى القاعة الكبيرة
    حيث كانت الاميرةُ تَلعبُ لعبةََ "جاء الغريب" مع وصيفاتها اللواتي
    لم يعملن شيئا آخر، وعندما رأت العلبتين الكبيرتين الفضيتين وفيهما الهديتان
    ، صَفَقَت بيديها فرحاً.
    " كنتُ أتمنى أن تكون الهدية قطوطة " قالت الاميرة، "ولكن جاءتني وردةٌ جميلةٌ".
    "آه، كم هي مصنوعة بشكل دقيق"
    قالت الوصيفات كلّهن. " إنها ليست كذلك فحسب " قال القيصر، "بل إنها جميلةٌ أيضاً!"
    ولكن الاميرة تلمستها وهمّت بالبكاء.
    " آه، بابا "، قالت الأميرةُ " هذه ليست صناعية، هذه حقيقية! "
    " آه " قالت الحاشيةِ كلّها " هذه حقيقية! "
    " دعونا قبل كل شيء نرى ما في العلبة الاخرى قبل أن نَغضبَ "
    قالَ الابُ، وهنا ظهر العندليبُ من العلبة، وغنّى بشكل جميل للغاية، لدرجة أن المرء لم يستطع أن يقولَ شيئا عنه.
    Superbe! Charmant! قالت الوصيفات بالفرنسية
    ، لانهن كن يتحدثن الفرنسية، لكن الواحدة منهن أسوء من الاخرى.
    " كم يذكرني هذا العصفور بصندوق موسيقى الملكة المرحومة " قال مرافقٌ قديمٌ " أها، نعم! هو نفس النغم، نفس الأداء!"
    " نعم! " قال القيصر وبكى مثل طفلٍ صغيرٍ.
    " لا أصدق أنه حقيقي " قالت الاميرة.
    " نعم أنه عصفور حقيقي! " قال الذين جلبوه.
    " طيب، إذن دعوا العصفور يطير،" قالت الاميرة، ولم ترغب ولا بأي حال من الاحوال أن تسمح للامير بالمجيء.
    إلا أن الامير لم ييأس، لطّخَ وجهَه بالأسود والبُنّي، طَعجَ القبعةََ على رأسه وطرقَ بابَ القيصرِ.
    " طابَ يومُك، أيها القيصر" قالََ، " ألا يمكن أن أجدَ لي عملا ً هنا في القلعة؟. "
    " نعم، يوجد هنا الكثير من الذين يطلبون العمل! " قال القيصر " ولكن دعني أرى " " ولكني محتاج لشخص يعتني بالخنازير! لانه لدينا الكثير منها ".
    وهكذا عُيّن الامير مربياً لخنازير القيصر. حصل على حجرةٍ صغيرةٍ سيئةٍ في حظيرةِ الخنازير
    ، وكان عليه أن يعيش فيها! ولكنه بقي يعمل طيلة النهار، وعند المساء صنعَ قِدراً جميلاً صغيرأً
    ، ُعلّقَتْ حوله أجراسٌ صغيرةٌ، وعندما يغلي ماء القدر ترنُّ ألأجراسُ الصغيرةُ بشكلٍ جميلٍ ويُعزفُ اللحنُ القديمَُ.
    آه يا يا عزيزي أوغوستين،
    كلُّ شيءٍ ضاع، ضاع، ضاع! "
    ولكن أمهرَ ما تفنّنَ به تجسَّدَ في أن المرء عندما يضع إصبعَه في البخار المتصاعد
    من القدر يستطيعُ مباشرةً أن َيشمَّ كلَّ طبخة حُضّرت في كلِّ مدخنةٍ من مداخنَ المدينةِ.
    أَنظر، إنه امرٌ يختلفُ حقا عن تلك الوردةٍ الجورية.
    وهنا جاءت الاميرةُ تَتَمَشّى مع جميع وصيفاتها، وعندما سمعت اللحنَ بقيت واقفةً وقد بدت مستمتعةً جدا، إذ كان بمقدورها هي أيضا عزف:
    " آه يا عزيزي أوغوستين "
    كان هذا هو اللحن الوحيد الذي إستطاعت عزفه ولكن بإصبع واحد.
    " هذا هو ما يمكنني عزفه! " قالت، "لابد وإنه مربي خنازير متعلم! إسمعي! إذهبي إليه و إسأليه كم كلفة هذه الالة. وكان على إحدى الوصيفات أن تهرعَ إليه، لكنها لبست قبقابها أولا.
    " كم تريد مقابل هذا القدر؟ " قالت الوصيفة.
    " أريدُ عشرَ قبلاتٍ من الاميرة " قالَ مربيّ الخنازير.
    " يا ساتر يارب " قالت الوصيفةُ.
    " نعم، لا يمكن أن يكون السعر أقلّ من ذلك ! " قالَ مربيّ الخنازير.
    " ها، ماذا يقول؟ " سألتْ الاميرة.
    " هذا ما لا أستطيع حقا ُنطقَه ! " قالت الوصيفةُ " إنه لأمرٌ فضيعٌ ! ".
    " إذن فيمكنكِ أن تهمسي لي !" وهَمَسَت لها بما قال.
    " إنه غير مؤدَّب ! " قالت الاميرةُ وإنطلقت حالاً، ولكنها عندما مشت قليلا رنّت الاجراسُ في غاية الجمال:
    " آه، يا عزيزي أوغوستين
    كل شيء ضاع، ضاع، ضاع!
    " إسمعي "، قالت الاميرة، " إسأليه فيما إذا كان ُيريدُ عشرَ قبلاتٍ من وصيفاتي !"
    " لا، شكرا ! " قال مربيّ الخنازير، " عشر قبلات من الاميرة "، أو أحتفظُ بالقدر."
    " ياله من أمر مزعج! قالت الاميرة، " لكن عليكن إذن الوقوف حواليّ لكي لا يتمكن أحد من أن يرى شيئا ! "
    ووقفت الوصيفات حواليها ونشرنَ بدلاتِهنَّ وعندها حصل مربي الخنازيرعلى القبلاتِ العشر بينما أخذت هي القِدرَ.
    ويا لها من متعة ! كان على القدرِ أن يغلي طوال الليل والنهار، لم تكن هناك مدخنة في
    المدينة إلا وعرفوا ما يُطبخ في بيتها سواء كان بيت َ رجلٍ إسكافي أو نبيلٍ. وأخذت الوصيفاتُ يرقصنَ ويصفّقنَ بأيديهنَّ.
    " نحنُ نعلمُ من سيأكلُ اليوم الشوربةَ الحلوة وعِجّة الدقيق! نَعلمُ من سيتناولُ العصيدةَ والكفته! يا له من أمر مشوِّقٌ! " " مشوِّقٌ للغاية ! " قالت مسؤولة مخزن المطبخ.
    " نعم، ولكن أطبقنَ أفواهكنَّ فأنا إبنةُ القيصر التي تقرر! "
    " ليحفظنا الرب ! " قال الجميع.
    أمّا مربي الخنازير، أي الأمير، فلم يعرفوا عنه شيئا آخر أكثر من أنه كان بالفعل مُربِّيَ خنازيرٍ، لم يتركْ يوما يمرّ بدون أن يأتي بحركة ما، فقد صنعَ خرخاشةً، عندما يدوّرها تعزفُ كلَّ ألحان رقصات ألفالس وهوبساير والبولكا، التي يعرفُها المرءُ من إبداع العالم.
    "ولكن هذا مدهشٌ suberb! " قالت الاميرةُ ! حينما مرّت في طريقها به "، " لم أسمع في حياتي أبداً أروعَ من هذه الموسيقى !
    إسمعي !
    إذهبي إليه وإسأليه عن سعر هذه الالة، لكني لا أقبّلُ ! "
    " يريدُ مائةَ ُقبلةٍ من الاميرة ! " قالت الوصيفةُ، التي كانت عندَه وسألته.
    " أعتقدُ أنه مجنونٌ ! " قالت الاميرةُ ومشت لكنها توقفت بعد مسافةٍ قصيرةٍ. " على المرء أن ُيشجّعَ الفنَّ ! "
    قالت " أنا إبنة القيصر ! قولي له سيحصلُ على عشر قبلاتٍ مثل يوم أمس، أما الباقية فسيحصلُ عليها من وصيفاتي.
    " نعم، كما ترين، إذا كان لا بد منه! قالت الوصيفات.
    " هذا هراء " قالت الاميرة " وإذا أقدرُ أنا على تقبيله، فيمكنكنَّ أنتنَّ ايضا ذلك! تذكّرنَ بأني أنا أعطيكنَّ المأكل والمسكنَ وأجوركنَّ " وهكذا كان على الوصيفة أن تذهبَ إليه مرةً أخرى.
    " مائةُ قبلةٍ من الاميرة "، قالَ مربيّ الخنازير "وإلا ليحتفظ كلُّ واحد منّا بحاجته ".
    " قِفنَ حواليّ !!! " قالت إبنة القيصر، ووَقفَ جَميعُ الوصيفاتِ حواليها وقَبّلَهَا.
    " ماهذا الحشد المتجمع هناك عند حظيرة الخنازير! "
    قال القيصر، الذي طلعَ إلى الشرفة، فركَ عينيه ولبسَ نظارتيه،
    " إنهن الوصيفات، وراء ذلك، عليّ أن أنزل إليهن !"
    – ورفعَ مؤخرتي فردتي حذائِه لأنه إعتاد دعسِهما بقدميه عند إستخدامه كنعال.
    يالها من إنطلاقة!
    حالما نزلَ الى الباحة، تمشى القيصر بهدوء شديد حيث الوصيفات مشغولات بِعَدِّ القبلاتِ حتى يتمَّ كلَّ شيء بصدقٍ بحيث لا يحصل مربيّ الخنازيرعلى قبلاتٍ أكثر ولا أقل، الوصيفاتُ لم يلحظن القيصرَ إطلاقاً. وقفَ القيصرُ على أطراف أصابعِ قدميه.
    " ماهذا ! " قال القيصر عندما رآهما ُيقبّلان بعضُهما وضربَهما على رأسيهما بنعاله في
    اللحظة التي حصلَ فيها مربيّ الخنازير على قبلته السادسة والثمانين.
    " يا إلهي ! " قالض القيصرُ من شدة غضبه، وطلب طرد الأميرة ومربي الخنازير من مملكته.
    وقفت الاميرةُ خارجَ المملكة باكيةً، بينما راحَ مربيّ الخنازير يبدو يهينها والمطر ينزلُ مدراراً.
    " آه يا لي من إنسانة عاثرة الحظ ! " قالت الاميرة، لو أخذتُ الاميرَ الجميلَ ! آه، كم أنا تعيسة ! "
    وإنزوى مربيّ الخنازير خلفَ شجرةٍ، ليمَسحَ عن وجهه اللطخاتِ السوداءَ و البُنّيةَ، رمى أسمالَه الرثَّةَ وظهرَ لها بِزيّ الامير الجميل للغاية لدرجةِ أن الاميرةَ إنحنت أمامَه.
    " أنا بدأتُ أحتقرُكِ، يا هذه ! " قالَ الاميرُ. " لم تريدي أميرا صادقاً !
    لم تفهمي معنى الوردةِ الجوريةِ والعندليبِ، لكنك ُتقبّلين مربيَّ الخنازير مقابلَ لعبةٍ، والان يمكنكِ أن ترتاحي جداً ! –"
    وذهبَ إلى مملكته، أغلق البوّابةَ خلفه بإحكامٍ كي تبقى هي في الخارج تغني:
    " آه يا عزيزي أوغوستين،
    كلّ شيء ضاع، ضاع، ضاع "
    * كُتبت في عام 1842.
    - جاءت الترجمة بمناسبة الذكرى المائتين على ولادة أندرسن.
    avatar
    ماهر الفية
    العضو الملكي
    العضو الملكي

    العمر : 35
    الموقع : الـجـنـيـنـة نـــت

    رد: من روائع الأدب العالمي

    مُساهمة  ماهر الفية في الأربعاء ديسمبر 01, 2010 6:22 pm

    مشكورة جارة القمر على هذه المشاركة القيمة

    وسأقوم بتزودكِ كل ما املك من هذه الروائع هنا على هذه الصفحة





    موت بائع متجول
    للكاتبة الامريكية: يودورا


    ر_ج. بومان، الذي تنقل لمدة أربع عشرة سنة لحساب شركة الأحذية عبر ولاية المسيسبي. قاد سيارته الفورد على طول طريق متسخة وعرة. كان يوماً طويلاً والوقت لم يتجاوز الظهيرة بعد، والشمس قد احتفظت بقوتها هنا حتى في فصل الشتاء ماكثة في كبد السماء، وفي كل مرة يطل بومان برأسه من نافذة السيارة المغبرة ليتفرس الطريق، تمتد يده الطويلة، بين الحين والآخر، تضغط على رأسه وقبعته فتجعله يحس بغضب وعجز، لقد كان محموماً وأيقن بأنه يسلك الطريق غير الصحيح، فهذا يومه الأول الذي خرج فيه بعد حصار أنفلونزي مرير، وغدا ضعيفاً شاحباً لدرجة تكفي ليصبح مهووساً بالمرآة، ولم يعد قادراً على التفكير بذهن صافٍ طيلة ساعات الظهيرة، ففي ثورة غضبه، وبدون أدنى سبب كان قد خطر على ذهنه جدته المتوفاة، التي كانت تتمتع بروح وديعة، وتمنى أكثر من مرة في صغره لو أنه سقط على ذلك السرير الريشي الواسع الموجود في غرفتها، لكنها غابت عن ذهنه كلياً... "يا لهذه البلدة المرتفعة المقفرة"!
    تخيل نفسه أنه قد سلك الطريق الخاطئة وبأنه عائد من حيث أتى، وعبثاً حاول إيجاد بيت على مدى بصره ولكن، الآن، حتى رغبة عودته إلى سرير مرضه قد تلاشت، فقد أكد الطبيب شفاءه التام من مرضه بعد دفعه للفاتورة. لم يكن بومان متحسراً على الممرضة الجميلة التي غادرته مودعة، ولم يشعر بنفسه إلا وهو يهديها سواراً ذهبياً ثميناً.
    كره أيام مرضه، وارتاب منه كما يرتاب الآن من الطريق الخالي من اللافتات التي أثارت غضبه، ماذا لو خلت السنوات الأربع عشرة من مرض أو حادث سيارة! فإنه يكون بذلك قد حطم رقماً قياسياً. بدأ يتساءل حول هذا الأمر.. وبالتدريج كان يزور فنادق جيدة في المدن الكبيرة ولم يكن هذا كل شيء، لأن هذه المدن كانت شديدة القيظ في الصيف وباردة في الشتاء.
    نساء..تذكر الغرف الصغيرة داخل غرف أخرى كعش من صناديق ورقية صينية، وكلما فكر بامرأة خطر إلى ذهنه مفروشات تلك الغرف الموحشة، ففي الفندق يقف أمام المرآة مرتدياً قبعة سوداء ذات إطار عريض فيبدو كمصارع ثيران، وتراه صاعداً هابطاً على درج الفندق.
    وما أن أخرج رأسه من نافذة السيارة حتى أحس بوهج الشمس المحرقة، أراد بومان أن يصل إلى (بيلا) ليلاً لينطرح في السرير ويريح نفسه المرهقة، ولكنه تذكر أن (بيلا) كانت على بعد خمسين ميلاً عندما رآها في البلدة السابقة ذات الطريق المفروش بالحصى.
    ـ هذه سكة للأبقار.. كيف وصل إلى مكان كهذا، تساءل ماسحاً وجهه بيده ثم أعادها إلى مقود السيارة، لقد أتى إلى (بيلا) من قبل، ولم ير مثل هذه الهضبة وهذا الطريق وتلك السماء المتلبدة.
    ـ يا له من أمر مخجل، نظر حوله بسرعة، لماذا لا يقر ويعترف بأنه أضل الطريق وابتعد عن مبتغاه. لم يكن من عادته أن يسأل الغرباء عن الطريق، وعلاوة على ذلك فإن هؤلاء القرويين لا معرفة لهم إلاّ بحقولهم، وليس هناك ثمة إنسان قريب منه ليسأله، فمعظمهم كانوا بعيدين عنه، ربما كانوا يبذرون الحبوب في الحقول أو على قمة البيادر، فجأة، استدار على صرير عجلات السيارة التي تقتطع وراءه أوحال الطريق بأشكال مستديرة كالكوسا الأصفر، بينما تبعته أنظار القرويين من بعيد كجدار صلب متسائلين عن هذا الغريب الواطئ أرضهم.
    تجمعت الغيوم في جانب واحد في السماء، وكأنها مخدة طويلة كالتي على سرير جدته، ثم انتقلت إلى طرف الهضبة فوق شجرتي سرو سامقتين، بينما كانت عجلات السيارة تضغط على أوراق الأشجار الشاحبة المتناثرة على طول الطريق، فينبعث صوت أنين كئيب يصل إلى أذنيه.
    كان يقود السّيارة بدون وعي، وفجأة وجد نفسه على حافة منحدر متآكل، فاتضح أنه في نهاية الطريق، ضغط بكل ما أوتي من قوّة على مكابح السيارة، إلا أنها اهتزت وتدحرجت باتجاه الهاوية، وبدون شك فإنها ستسقط في الوادي. خرج منها بهدوء رغم الاضطراب الذي انتابه. رفع حقيبة الأحذية ثم وضعها على الأرض وشرع يراقب السيارة وهي ترتمي في الهاوية، لم يسمع حطاماً، بل خشخشة منبعثة من الأسفل، انحنى ونظر إلى الوادي فوجد سيارته قد حطّت على عريشة ضخمة وارتاحت كأنها طفل في مهده، فشعر بالارتياح لأنه لم يكن بداخلها، ثم مالت بلطف نحو الأرض، تنفس الصعداء، ثم تساءل مندهشاً:
    "أين أنا؟ ولماذا لم أقم بفعل شيء ما؟"
    بدأت ثورة غضبه واهتياجه تنساق بعيداً عنه، فقد رأى بيتاً وراءه على التلة. حمل حقائبه وبرغبة كرغبة الأطفال ذهب متجهاً إلى البيت، كان يلتقط أنفاسه بصعوبة، فتوقف وارتاح قليلاً، بدا الكوخ بغرفتيه وكأنه صنع للصيادين الذين يأوون إليه طلباً للراحة، جثم بومان على التلة، ورأى أن الكوخ يميل للأسفل تحت العريشة الثقيلة التي فرشت سطحه بأغصانها الخضراء الهاربة من فصل الصيف، شاهد امرأة تقف في الممر، فتسمر في أرضه وأحس بأن في قلبه سهماً نارياً، فلم يعد يقوى على التفكير، وغدت ضربات قلبه المنتفضة عشوائية قوية، خفقان بدون ضجة، ريثما سقط كالغَمْرُ أوقعته الشباك.
    استقام ولملم ما تبقى بداخله من قوة قاصداً المرأة وقال :
    ـ نهار سعيد يا سيدتي.
    لم يسمع دقات قلبه الآن، فقد سكن كرماد يتساقط، وانبعثت في نفسه الطمأنينة، إنه لشيء رهيب لبومان أن يكتشف ضعف قلبه، ومع سكون اضطرابه ألقى بحقائبه التي تكومت ببطء ووداعة على العشب الأشيب قرب باب الدرج. أحس بومان أن المرأة الواقفة مسنة وليس بوسعها أن تسمع خفقات قلبه التي تجاهلها هو بدوره أيضاً.
    نظر إلى المرأة حذراً مشدوهاً. كانت تنظف قنديلاً متسخاً، وكأنها انتهت من النصف المقابل لها وما زال النصف الآخر أسود. وقفت في الممر المظلم بجسمها الضخم المكتنـز، وأثار الطقس بادية على وجهها الخالي من التغضن، شفتاها مطبقتان وعيناها البراقتان تنظران إليه ببلادة وفضول، رنا إلى حذائها الشبيه بأحزمة مترابطة، وتساءل .. لو أن الطقس صيف لرأيتها حافية القدمين.
    لقد اعتاد بومان أن يقدر عمر المرأة من نظرة واحدة، فقدر عمر تلك المرأة بخمسين سنة. كانت ترتدي ثوباً بسيطاً ذا قماش خشن رمادي، جفف من الماء بطريقة سيئة، تظهر منه ذراعاها الورديتان المستديرتان، وقد حافظت على صمتها وتنظيفها للقنديل. أردف بومان ثانية:
    ـ نهار سعيد يا سيدتي..

    والى اللقاء مع تتمة القصة
    avatar
    جارة القمر
    العضو الملكي
    العضو الملكي

    العمر : 31
    الموقع : بين الأهداب

    رد: من روائع الأدب العالمي

    مُساهمة  جارة القمر في الخميس ديسمبر 02, 2010 5:00 am

    What a Face What a Face شموخ دائمآ تجعل من تفاعلك الرائع


    لوحه فنيه جميله

    شكرآ لإضافتك القيمه على موضوعي


    أهلآ بك دائمآ صديقي
    avatar
    ماهر الفية
    العضو الملكي
    العضو الملكي

    العمر : 35
    الموقع : الـجـنـيـنـة نـــت

    رد: من روائع الأدب العالمي

    مُساهمة  ماهر الفية في الخميس ديسمبر 02, 2010 1:57 pm

    تابع .........

    ..قصة موت بائع متجول للكاتبة الامريكية: يودورا


    كانت تحدق، لكن لم يعلم بومان بأنها تحدق فيه أم في شيء آخر، ثم أخفضت عينيها لتصغي إلى ما سيقول.
    ـ أتساءل فيما إذا كان بوسعك أن تساعديني! قال بومان.. هناك حادث.. سيارتي.. فردت بصوت منخفض كأنه آتٍ من بحيرة نائية.
    ـ صوني.. هل أنت هنا؟..هل أنت هنا الآن..
    فكر بومان، هل صوني هذا قادر على إخراج سيارتي. أشار بومان إلى أسفل التلة:
    - سيارتي في تلك الحفرة وأنا بحاجة إلى مساعدة. ردت المرأة ثانية:
    - صوني.. أأنت هنا؟.. إنه ليس هنا !.. توضح لبومان أن صوتها قوي وتبدو كأنها بلهاء. غدا الأمر لا يحتمل، فقدان الطريق وانتظار هنا، إنه لأمر ممل، تنفس قليلاً وسمع صوته يعلو فوق نبضات قلبه: لقد كنت مريضاً.. لست قوياً بعد، فهل بإمكاني الدخول؟ انحنى بومان ووضع قبعته السوداء على قبضة حقيبته وأحس بتيار يصعقه، رنا إلى المرأة، والرياح تعبث بخصلات شعره، كان بوسعه أن يستمر فترة طويلة على الوضع غير المألوف إلا أنه لم يكن رجلاً صبوراً، فعندما كان مريضاً اعتاد أن يستكين لتلك الوسائد خانعاً منتظراً دواءه وهو الآن بانتظار جواب المرأة.
    نظرت المرأة إليه بعينين زرقاوين واستدارت وأبقت الباب مفتوحاً، انتصب بومان مقتنعاً بصحة تصرفاته ولحق بها إلى الداخل، وما أن دخل الغرفة حتى لامسه ظلامها كيد ناعمة وادعة. وضعت القنديل نصف المنظف على الطاولة؛ وأشارت بيدها ترشده إلى كرسي ذي مقعد أصفر صنع من جلد بقري، ثم ركنت قرب الموقد ساحبة ركبتيها تحت ردائها البسيط. أحس بالطمأنينة بادىء الأمر، ريثما بدت الغرفة كئيبة بجدرانها المؤلفة من ألواح الصنوبر الصفراء، وكان بإمكانه رؤية الغرفة المجاورة مع سرير ذي قوائم حديدية عبر الممر وعليه ملاءة مزركشة بألوان زاهية؛ تبدو كخريطة أو صورة ملونة كالتي رسمتها جدته في صباها عن احتراق روما.
    كانت الرطوبة قوية في الغرفة فأحس بالبرودة. ركز عينيه على الموقد وعلى الأوعية المتوزِِِِعة في الزاوية؛ لقد رأى المدخنة الحجرية بدخانها الذي يلتف حول الهضبة وتساءل.. ليس ثمة نار في الموقد.! عندها، خيم السكون وانتشر صمت الحقول في المنطقة وتسربت الرياح إلى القاعة وأحس أنه في خطر غامض موحش، عليه أن يفعل شيئاً ما! أن يتكلم، قال :
    ـ معي عدد من الأحذية النسائية الجميلة ذات أسعار منخفضة. لكن المرأة أجابت :
    ـ صوني سيحضر، فهو قوي وشجاع، سيخرج سيارتك.
    ـ أين هوالآن ؟
    ـ إنه يعمل في مزرعة السيد ريدموند
    ـ السيد ريدموند ! أحس ببهجة لهنيهة ريثما اكتشف أنه لا يعرف صاحب الاسم، شعر بالقلق وتمنى أن يبتعد عن أسماء هؤلاء الرجال المجهولين ومزارعهم.
    ـ هل تسكنا معاً لوحدكما؟
    اندهش لسماع صوته المعتاد المليء بالثقة والمؤثر وكأنه خصص لبيع الأحذية، فسؤال كهذا لا يهمه معرفة جوابه.
    ـ نعم نحن وحيدين.. استغرب طريقة إجابتها التي استغرقت فترة طويلة وأومأت برأسها أيضاً، هل أرادت من وراء ذلك أن تخبره بأن ثمة شيئاً على وشك الحدوث، تساءل في سره باضطراب: ربما لا تريد تقديم يد العون له، أو ربما يتوجب عليه أن يتكلم إليها أكثر؛ فلقد عاش ما يقارب الشهر ولم يتحدث إلى أحد، بل واجه هلوسات في رأسه وحمى في جسمه، يا لهذه الدنيا، تركته ضعيفاً تحت رحمة الآخرين.
    تعالت نبضات قلبه، حتى غدا فؤاده ينتفض كالسمكة في الشباك، تساءل طويلاً: لماذا لم تنتهِ المرأة من تنظيف القنديل المتسخ حتى الآن؟ وماذا دهاها لتبقى صامتة في الغرفة المقابلة؟ لقد ارتسمت على وجهها علامات الشجاعة والثقة، ربما لم تتكلم معه لسبب يرجع إلى خجلها من الغرباء، واستمر يراقب يديها الملتفتين على بعضهما كالملقط، وفجأة قالت:
    ـ هذا صوني، إنه آت. لم يسمع بومان وقع أقدام، بل رأى رجلاً يعبر أمام النافذة ويدخل البيت مع كلبين للصيد، كان طويلاً وممتلئاً، وعلى خصره حزام تدلى على وركه، بدا في الثلاثين من عمره واكتسى وجهه حمرة وصمتاً، بنطاله موحل، وسترته عسكرية مموهة، تساءل بومان بدهشة: سترة من الحرب العالمية.. يا إلهي.. يا لها من سترة تشبه البدلات الاتحادية، أحس بومان بأنه يستخف به عندما لاحظ أنه ما زال يضع قبعته السوداء القذرة على رأسه، دفع بكلبيه بعيداً عن صدره، كان قوي البنية، وتنم حركاته عن وقار ورزانة، بدا كأنه نسخة لوالدته، وقفا بجانب بعضهما بعضاً، وأحس بومان بضرورة الإعلان عن وجوده أمام الرجل.
    ـ صوني.. هذا الرجل سقطت سيارته في الحفرة، ويريد أن يعرف إذا كان بوسعك مساعدته.
    قالت المرأة ذلك بعد لحظات.
    لم يكن بإمكان بومان حتى التحدث في قضيته، استقرت أنظار صوني كلها عليه، فظن بومان أنه من الواجب التوسع في شرح مشكلته وتقديم شيء من النقود ليبدو أكثر وجاهة وهيبة، مر صوني بجانبه تتبعه قفزات كلبيه وتطلع إلى الخارج، كان يبذل جهداً حتى في الطريقة التي ينظر بها، وكأن باستطاعته أن يرمي بنظره بعيداً كحبل، أحس بومان أن عينيه لم تعد بإمكانهما أن تريا شيئاً، فالمسافة بعيدة جداً.
    قال صوني:
    ـ علي إحضار بغل وحبل.. وقريباً سأخرج سيارتك.
    نظر في أرجاء الغرفة كأنه يتأملها، وتاه بصره داخلها، ثم أطبق شفتيه بثبات، ومشى والكلبان أمامه بخطوات واسعة وثابتة، عندما سمع بومان وقع خطوات الرجل قفز قلبه، وأحس به يعدو بداخله. قالت المرأة: "صوني سيخرجها "رددت العبارة بلحن موسيقي، وهي تجلس قرب الموقد. سمع بومان مطاردة بعض الحيوانات على الهضبة، بعد لحظات خرج صوني ومعه بغل بني ذو أذنين مخمليتين، نظر البغل داخل النافذة فأشاح بومان برأسه وشاهد المرأة تبادل البغل نظراته، وقد ارتسم الارتياح على وجهها، تكلمت بنغم عذب فظن أن صوتها جميل، لكنها لم تكن توجه الكلام إليه، إلا أنه شعر بفضول غريب ينبعث بداخله للكلام.
    الآن، عندما خفق قلبه، خفقت معه روحه كمهر يتلاشى، حدّج في المرأة قليلاً، وبدأت أحاسيسه المختلطة تهز كيانه. لم يستطع الحراك، رآها تشبك يداً بأخرى، أراد أن يقول لها شيئاً لكنه أحس بالعجز. حاول أن يخبرها بمرضه، وكم كان يشعر بالوحدة، وأن قلبه يبذل مجهوداً فوق طاقته، وأنه أضحى يرفض هذا الفراغ، وبرغم كل هذا فإن قلبه المريض يصبو وينتظر الربيع الآتي، تعالي وامكثي في قلبي لتري أنه سيغمرك حباً كشلال دافق يجرك لأعماقه.
    مسح وجهه بيده المرتجفة ورنا إلى المرأة الجاثية بصمت داخل الغرفة والتي تبدو كتمثال، وعندما أقبل الأصيل، كانت أشعة الشمس تلامس الوعاء الموضوع على الموقد، فكر بومان: غداً وفي مثل هذا الوقت سيكون قائداً لسيارته على طريق حصوي آخر، وأحس بالغبطة حين فكر بذلك، كما أنه أيقن بأن لا وقت لديه لإضاعته مع امرأة عجوز كهذه، وهنا وعلى حين بغتة، ولدت في داخله قوة جديدة أخذته بعيداً عن المكان.
    ـ أظن أن صوني قد أخرج سيارتك الآن - قالت المرأة - وهو لا محالة سيخرجها من الوادي..
    ـ حسناً، صاح بومان بلهجة حماسية، بدأ الظلام يزحف إلى الوادي، كان بومان منكمشاً في كرسيه، ففكر بأن ينهض ويذرع الغرفة بخطواته منتظراً الرجل، هناك شيء غامض في هذا السكون، أصاخ سمعه، وهدأت أنفاسه وأصبحت عيناه عاجزتان عن رؤية ما في الخارج بسبب الظلام المتزايد، أرهف السمع إلى أصوات ناعمة متتابعة ذات لحن جميل منبعثة من الخارج، لم يستطع تفسيرها " ما هذه الضجة" سأل بومان مخترقاً صوته الظلام، وخشي أن لا تكون الضجة إلا خفقات قلبه الصاخبة.
    ـ ربما تسمع صوت الماء في الجدول.. قالت المرأة بازدراء وهي تقف بجانب الطاولة فأتى صوتها قريباً، تساءل بومان كما فعل من قبل، لماذا لم تشعل المرأة القنديل في الظلمة حتى الآن! قرر ألا يتكلم إليها مرة أخرى، وراوده تصور بألاّ يخطر في باله أنه سينام في تلك الغرفة ذات الظلمة البلهاء، اتجهت إلى النافذة ومدت يدها مشيرة على امتداد العتمة.. "تلك البقعة البيضاء هناك هي صوني". أدار وجهه إليها ثم أخذ يسترق النظر من فوق كتفيها متردداً في الوقوف إلى جانبها، بحثت عينيه في الهواء المثخن بالسواد، فوجد تلك البقعة التي أشارت إليها كورقة في نهر وكأنها قد أرته شيئاً سرياً للغاية، أشاح بوجهه بعيداً يحاول مقاومة دموع لم يحن لها أن تذرف بعد، إلا أنها التزمت بصمت كصمته، وعندما دخل صوني اهتز البيت مع خطواته فانحنت المرأة إلى جانبه. " لقد أخرجت سيارتك يا سيد " قال صوني من دون أن يراه. " وهي الآن تنتظر على الطريق هناك "..! "حسناً " قال بومان بلهجة لا تخلو من حزم وتابع :
    ـ أنا ممتن جداً لصنيعك، ولا أظن أن بوسعي إخراج السيارة كما فعلت أنت.
    وللقصة بقية
    avatar
    جارة القمر
    العضو الملكي
    العضو الملكي

    العمر : 31
    الموقع : بين الأهداب

    رد: من روائع الأدب العالمي

    مُساهمة  جارة القمر في الخميس ديسمبر 02, 2010 5:40 pm

    Shocked شكرآ شموخ

    قصه بقمة الروعه

    دمت بعطاء
    avatar
    ماهر الفية
    العضو الملكي
    العضو الملكي

    العمر : 35
    الموقع : الـجـنـيـنـة نـــت

    رد: من روائع الأدب العالمي

    مُساهمة  ماهر الفية في الجمعة ديسمبر 03, 2010 2:57 pm

    إنها لأمر سهل.. قال صوني. كان بوسعه أن يحس بانتظارهما وبإمكانه أيضاً سماع الكلبين اللاهثين في الحديقة ينتظران خروجه ليشرعا بالنباح، أحس بالعجز، هل باستطاعته الرحيل الآن؟ وكيف يرحل وصدره يهتز بتأثير ضربات قلبه؟ لابد أن هناك سراً يسعد هذين المخلوقين على رغم عيشتهما البدائية، فلقد أدرك تلك السرعة التي تركته فيها المرأة واتجهت إلى صوني، وها هوالآن يرتجف برداً، وبدون وعي أدخل يديه في جيبيه ينشد الدفء.
    ـ بالطبع سأدفع لك أجرك.
    ـ نحن لا نأخذ نقوداً لأجل ذلك.
    ـ لكن أريد أن أدفع.. وهل بإمكاني قضاء الليلة هنا؟ خطا نحوهما، لو رأياه لعرفا صدقه وحاجته، تابع يقول: أنا لست قوياً بعد، وليس بوسعي السير لمسافة بعيدة، حتى إلى سيارتي.. لا أعرف أين أنا الآن؟
    " توقف يحاول مقاومة دموع بحاجة لأن تنفجر، ماذا سيظنون به، اقترب صوني منه ووضع يده على كتفيه فأحس بومان بنشوة :
    ـ أنت لست موظف ضرائب متسلل إلى هنا؟
    استجمع بومان ما تبقى من قواه ثم قال : " لا "
    ـ باستطاعتك البقاء.
    ـ صوني- قالت المرأة - عليك أن تستدين قليلاً من الحطب.
    ـ سأستدين من السيد ريدموند..قال صوني.
    ـ ماذا؟
    سأل بومان وهو يحاول أن يسمع كلمات أشبه أن تكون همساً.
    ـ انطفأت نارنا وعلى صوني أن يحضر شيئاً منها، فإنها ليلة مظلمة وباردة.
    ـ لكن أعواد الثقاب.. معي أعواد ثقاب.
    ـ لسنا بحاجة إلى الكبريت. قالت بزهو وعظمة.
    ـ أنا ذاهب إلى السيد ريدموند.. قال صوني بجدية ثم مضى.
    وبعد أن انتظروا قليلاً؛ نظر بومان من النافذة فرأى شعاعاً متحركاً على الهضبة، متوزعاً بشكل دائري كمروحة تتأرجح في الحقل يميناً ويساراً، دلف صوني إلى الغرفة واضعاً الحطب في الموقد وقد أحضر خلفه حطبة مشتعلة.
    ـ سنشعل النار الآن، قالت المرأة. وما أن تأججت النار في الموقد حتى أشعلت القنديل، فتعثر الضوء من الجانب الذي لم ينظف، وأضحى لون الغرفة أصفر ذهبياً كلون الأزهار. اتجهت المرأة إلى الوعاء الحديدي ووضعت حطبة متوهجة على غطائه فأصدرت صوتاً كناقوس ناءٍ، نظرت إلى بومان فوجدته منكمشاً في كرسيه من البرد والخوف.
    ـ هل تحب أن تشرب شيئاً يا سيد؟ سأل صوني وهو يحضر كرسياً ذا مسند ليجلس عليه.
    ـ نعم يا سيدي ، ممتاز.. شكراً.
    ـ تعال ورائي وافعل ما أفعل، اتجها من خلال بهو صغير إلى البيت، ثم عبرا بئراً متدفقاً ووصلا إلى أجمة كثيفة الأشجار.
    ـ اجث على ركبتيك.. قال صوني.
    ـ ماذا.. تساءل بومان والعرق يتفصد على جبهته، أدرك ما يعنيه صوني عندما شرع بالزحف عبر خندق غطته أغصان أشجار تمددت على الأرض. تبعه لكن لم يستطع أن يمنع نفسه من رعشة كانت تنتابه عندما تقترب منه عوسجة أو شوكة تلامسه بلطف دون أن تصدر صوتاً، تلتصق به كأنها تلثمه ثم تتركه، توقف صوني عن الزحف وجثا على ركبتيه، وبدأ ينبش الأوساخ المتكومة.
    أشعل بومان عود ثقاب وأنار المكان، فظهر إبريق من الويسكي، سكب قليلاً منه في زجاجة كانت موضوعة في جيب سترته، وأعاد دفن الإبريق ثانية.
    ـ أنت لا تعرف من هو المسؤول الذي يمكنه أن يطرق بابك؟ قال صوني ضاحكاً.. هيا بنا لنعد، فليس لنا حاجة إلى أن نشرب خارج البيت كالخنازير.
    على الطاولة جلسا أمام بعضهما بعضاً وشرعا يعبان من زجاجة الويسكي، في ذلك الوقت، هدأ الكلبان واستسلما للنوم، أحدهما كان مستغرقاً في أحلام جميلة.
    ـ إنه لشيء جيد.. قال بومان.. هذا ما كنت أريده.
    أحس وكأنه يتجرع نار الموقد.
    ـ لقد فعلها.. قالت المرأة بزهو بالغ، كانت تدفع الحطب إلى طرف القدر ورائحة خبز الذرة والقهوة تملأ أرجاء الغرفة، وضعت كل شيء على الطاولة قبل أن يأتي الرجلان، وبسكّينة كالساطور ضربت حبة من البطاطا فظهرت أحشاءها الصفراء الذهبية. بعد ذلك وقفت ترمقهما للحظات حيث كانا يجلسان، اتجهت نحوهما وقالت :
    " بإمكانكما أن تتناولا الطعام الآن ".
    وبشكل مفاجئ ابتسمت. بومان الذي كان لتوه ينظر إلى المرأة، وضع كوبه على الطاولة بطريقة تدل على رفضه وإنكاره، لابد أن ألما قد أصاب عينيه، فهذه المرأة ليست عجوزاً، إنها شابة وديعة، لم يخمن مقدار سنوات عمرها، لكنها بعمر صوني وتربطها به علاقة حميمة، وقفت في زاوية الغرفة الداكنة المظلمة، فتَسلط الضوء الشاحب فوق جسدها، عندما انحنت فوقهما وبدأت تتضح تلك العلاقة الأسرية التي تجمعهما، لقد كانت شابة ذات أسنان مشعة وعينين براقتين، استدارت وجرت خطواتها ببطء وثقل خارج الغرفة، سمعها تجلس على فراشها الصغير ومن ثم تتمدد :
    ـ إنها على وشك أن تلد طفلاً. قال صوني عاضاً على شفتيه، لم يستطع بومان الكلام، كان مصدوماً بمعرفة حقيقة ما يدور في هذا المنـزل. زواج ! زواج مثمر. إن هذا الأمر لشيء عادي بوسع أي إنسان القيام به، أحس بعدم قدرته على أن يكون غاضباً أو مستاءً لما حدث بالرغم من هذا الهزل الذي أحسه، ليس ثمة شيء غامض أو مبهم، إنه شيء خاص وهذا كل ما في الأمر، السر الوحيد هو تلك العلاقة الوطيدة بين هذين الشخصين، ولكن مجرد تذكّره لانتظار المرأة بصمت قرب المدفأة الباردة، ورحلة الرجل القاسية لإحضار الحطب والتي استغرقت ميلاً، وكيفية تجهيز الطعام والشراب بزهو يملأ الغرفة، كل تلك الأمور كانت كافية لطرد شبح الدهشة من ذهنه.
    ـ يبدو أنك جائع، قال صوني.
    خرجت المرأة من غرفتها حالما عرفت أنهما انتهيا من تناول الطعام، تعشت وأخرجت ما تبقى من طعام إلى الكلاب، بينما كان زوجها يتأمل تلك النار المتأججة.
    ـ أعتقد أنه من الأفضل لي أن أنام هنا على الأرض قرب المدفأة.. قال بومان.
    شعر لبرهة أنه قد خدع نفسه بطلب كهذا، لكن عليه أن يكون أكثر شهامة ونبلاً، فبالرغم من مرضه، فإنه لم يطلب منهما النوم في سريرهما، لقد ناشد هذا البيت طلبا لمعروف والآن اتضح له أسراره.
    ـ بالتأكيد يا سيد، قال صوني.
    لم يكن واضحاً لديه كم كان استيعابه لذلك الأمر بطيئاً، ليس لديهما رغبة للتخلي له عن السرير، وبعد فترة وجيزة نهضا ونظرا إليه برزانة واتجها إلى الغرفة الأخرى، ظل متمدداً قرب النار حتى بدأت أشعتها تتلاشى وتموت، تأمل ألسنة لهيب النار وهي تتآكل وتخمد.
    ـ سيكون هناك رخصة أسعار خاصة على كل الأحذية خلال شهر يناير، وجد نفسه يردد العبارة بهدوء ومن ثم استسلم للنوم بشفتين مطبقتين.
    يا لها من ليلة صاخبة، لقد سمع عاصفة هوجاء وناراً تموت، وكان متأكداً من سماع نبضات قلبه تخفق بعنف، ذلك الصوت المنبعث من ضلوعه، تسلل إلى سمعه أنفاس الرجل وزوجته من الغرفة المجاورة، أنفاس عميقة وروتينية، وتولد في نفسه أمنية أن يكون الطفل الذي تحبل به المرأة ابنه.
    عليه العودة من حيث أتى، وقف أمام تلك الخشبات الحمراء ذات الوهج المنهك وارتدى معطفه، أحس بثقل على كتفيه، وبينما كان خارجاً رأى القنديل نصف المنظف على الطاولة، أراد أن يفرغ كل ما في جيبه من نقود ويتركها لهما. تناول حقائبه ومضى، وما أن أطل برأسه خارجاً حتى أحس بعاصفة الرياح القارصة تدفعه محاولة حمله بعيداً، كان القمر ما يزال يرسل بأشعته الواهنة، وأخذ الطريق المنحدر يشده إلى الأسفل، وما إن وصل إلى سيارته حتى عاد قلبه يدق بداخله كطلقات بندقية..بم..بم. ترنح قليلا ثم هوى غائصاً في الطريق مع حقائبه. أحس أن كل هذا، شيء معتاد، وضع يديه على قلبه وكأنه يمنع تسرب الضجيج منه.
    ولكن لم يكن ليسمعه أحد.

    النهاية

    والى اللقاء في رائعة اخرى من الادب العالمي .
    avatar
    جارة القمر
    العضو الملكي
    العضو الملكي

    العمر : 31
    الموقع : بين الأهداب

    رد: من روائع الأدب العالمي

    مُساهمة  جارة القمر في الأحد ديسمبر 05, 2010 8:47 pm

    Surprised الغالي شموخ

    شكرآ لجهودك صديقي

    دمت مميز
    avatar
    أميمه
    مرتبة الشرف
    مرتبة الشرف

    العمر : 30

    رد: من روائع الأدب العالمي

    مُساهمة  أميمه في الأحد ديسمبر 05, 2010 9:29 pm

    أسفة حنين قرأت موت بائع متجول
    وما إنتبهت للقصة الأولى


    عدل سابقا من قبل أميمه في الأحد ديسمبر 05, 2010 10:30 pm عدل 1 مرات
    avatar
    جارة القمر
    العضو الملكي
    العضو الملكي

    العمر : 31
    الموقع : بين الأهداب

    رد: من روائع الأدب العالمي

    مُساهمة  جارة القمر في الأحد ديسمبر 05, 2010 9:53 pm

    صديقتي أميمه

    الضاهر لم تقرأي القصه التي انا بدأت بها هذا القسم من الادب العالمي

    أنت انزلتي نفس القصه

    ارجو االإطلاع على اول مشاركه

    وتصحيح الوضع

    شكرآ لجهودك غاليتي
    avatar
    دلال
    العضو الماسي
    العضو الماسي

    رد: من روائع الأدب العالمي

    مُساهمة  دلال في الأحد ديسمبر 05, 2010 10:45 pm




    أدب عالمي
    حين تقطعت الأوصالالكاتبة المكسيكية أمبارو دابيلا
    مترجمة عن الأسبانية

    وصل القطار حوالى الساعة السادسة صباحاً في أحد أيام نوفمبر الرطبة والباردة. وهكذا لم يتبينه بسبب الضباب. رفعت ياقة البالطو الفرو العالية، وكبست القبعة برأسى حتى الأذنين، ومع ذلك فلقد اخترقت برودة الضباب جسمى حتى العظم. شقة ليونيداس كانت توجد هناك. عثرت عليها في حى بعيد عن وسط البلد، في الدور السادس وفى عمارة متواضعة، كل شىء فيها: السلم، والممرات، الشقق كان الضباب يغلفها ويخترقها، وأثناء صُعودى المتواصل اعتقدت أننى سأبلغ الأبدية من كثافة الضباب ووطأة الصمت. ليونيداس، يا أخى، أمام باب شقتك أحسست بأننى ميت من التعب! كنت قد جئت لزيارتك، في السنة الماضية، في إجازة عيد الميلاد. على العشاء أكلنا من لحم الديك الرومى المحشو بالزيتون، وأبو فرو (الكستناء)، وكريمة إيطالية مضروبة في الخلاط، وفواكه مجففة ومسكرة. قال لى ووجهه يشع بالفرحة: "موسى، جاسبار إننا في العيد!" كانت الأيام كلها عيد. شربنا كثيراً، وتكلمنا عن أبوينا، وعن الفطائر المحشوة بالتفاح، عن سهر الليالى بجوار نار المدفأة، عن البايب الخاص بالعجوز، ونظرته وهو مطأطئ الرأس وشرود فكره الذى لا يمكن أن ننساه. وعن شغل السويترات التى كانت ماما تشغل نفسها به لفصول الشتاء من اجلنا، وعن تلك الخالة التى أخفت أموالها، وماتت من الجوع، عن مدرس الحساب بياقات قميصه المنشاة المتأنقة وكراڤتاته من شريط معقود (پابيون)، وعن البنات العاملات بدكان البقالة، واللاتى يدعوهن للذهاب إلى السينما بصحبته أيام الآحاد، وعن تلك الأفلام التى لا نتابع مشاهدتها، وتلك المناديل وعليها آثار أحمر الشفاه، والتى كان علينا أن نلقى بها في أى صندوق للقمامة. ومن تعبى نسيت أن أطلب من المرأة البوابة أن تفتح لى شقة ليونيداس. وكان لابد من إيقاظها. صعدت وهى نصف نائمة، تنتزع قدميها انتزاعاً. وهناك كان موسى وجاسبار، ولكنهما ما أن وقع نظرهما علىَّ حتى اختفيا وتبخرا. وقالت لى المرأة إنها كانت تأتى لهما بالطعام مرتين في اليوم. ومع ذلك كانا يبدوان لى ضامرين تماماً.

    ـ كان مرعباً، السيد كراوس، بتلك العيون التى رأيتها هنا، في هذا المقعد، كما لو أنه يستلقى على مائدة. موسى وجاسبار كانا مرتميين على قدميه، واعتقدت في أول الأمر أنهم نائمين كلهم. ما أشد الهدوء الذى كانوا فيه! لكن الوقت كان بالفعل متأخراً. واستيقظ السيد ليونيداس مبكراً وخرج لشراء الطعام لموسى وجاسبار، أما هو فتناول طعامه في وسط البلد، أما فيما يخصهما فإنه يترك لهما دائماً وفرة من وجبات الطعام، وفجأة خمنت أن...

    أعددتُ قليلاً من القهوة، وانتظرت وأنا أطمئن نفسى بما يعيننى حتى أتمكن من الوصول إلى توكيل ترتيب الجنازات وإعداد الموتى للدفن. ليونيداس، ليونيداس، كيف أمكن أنك، ليونيداس القوى، صرت غير قادر على الحركة في ثلاجة الموتى...!

    في الساعة الرابعة وقت العصر كان الدفن. وكان البرد والمطر شديدين، وكل شىء صار رمادياً، وما كانت تكسر رتابة هذا اللون، هى المظلات الواقية من المطر، والقبعات السوداء، والمعاطف، والوجوه التى غامت وسط الضباب والمطر. وكان من شاركوا في الدفن أعداداً كافية من الأشخاص، ربما هم زملاء ليونيداس في العمل، وبعض الأصدقاء. ولقد أثار ذلك فيَّ أكثر الأحلام مرارة، وتمنيت أن أتجاوز محنة فقده هذه. وفى اليوم التالى استيقظت بدون هذه الغصة في الحلق، وذلك التمزق الشديد في العمق الذى أرهق عقلى تماماً. قسيس عجوز لكى يتلو الصلوات ويمنح القبر بركته... وبعد ذلك، شخص ما، وهو شخص لا أعرفه، قدم لى سيجارة، وأخذنى من ذراعى بألفة، معبراً لى عن مشاركته لى في الأحزان. وخرجنا من المقابر، وهناك بقى ليونيداس للأبد.

    سرت وحيداً بلا هدف، تحت وابل المطر الرتيب المستمر، بلا أمل، بنفس مكسورة، أما ليونيداس، فقد انتهى، وانتهت بموته، السعادة الوحيدة لى في الحياة، فقد كان هو المخلص العظيم الوحيد الذى جعلنى مرتبطاً بالأرض، والذى لم يكن ممكناً أن ينفصل أحدنا عن الآخر منذ كنا أطفالاً. لقد أبعدتنا الحرب خلال سنوات عديدة، والتقينا بعد القتال والوحدة، وجنينا أعظم سعادة في حياتنا. وحتى الآن بقينا نحن الاثنان فقط، ومع ذلك، فما أسرع ما فكرنا في أنه لابد لنا من العيش معاً، كل منا بجانب الآخر. وهذا ما فعلناه بالفعل. فخلال تلك السنوات استطعنا أن نحصل على ما نحتاجه عادة، فسكنا، بحرية مطلقة. وعثر ليونيداس على وظيفة صراف في بنك، وتوظفت أنا محاسب في شركة تأمين. وخلال الأسبوع كل واحد منا يعيش مكرساً وقته كله لعمله، أو في وحدته. لكن أيام الآحاد كنا نقضيها معاً على الدوام. وحينئذ كنا سعداء جداً، وأستطيع أن أؤكد أن الاثنين اللذين كنا ننتظرهما وصلا في ذلك اليوم.

    وفى وقت ما بعد ذلك، نقلا ليونيداس إلى مدينة أخرى، واستطاع أن يتفانى في البحث عن عمل آخر، فهو مع ذلك يتقبل هذه الأمور دائماً في هدوء. "ليس مجدياً أن تقاوم، فنحن يمكننا أن نقوم بألف جولة ونصل دائماً إلى النقطة التى بدأنا منها.". كنا سعداء جداً، شىء ما لابد أن يستمر، فالسعادة لها ضريبتها... هذه كانت فلسفة ليونيداس، وهو كان يتقبل الأمور بلا اعتراض. "هناك أمور تأتى عكس ما نحب، وتلك هى التى لا يمكننا مقاومتها يا عزيزى خوسيه...".

    لقد رحل ليونيداس في أيام كانت قسوتها أكثر من أن تحتمل غيابه؛ وبعد ذلك، أخذنا بتأنى في ترتيب عزلتنا: فنكتب لبعضنا مرة أو مرتين في الشهر، أما أيام إجازاتى فكنت أقضيها معه، وهو يأتى ليرانى في أيام إجازاته، وهكذا كنا نقضى أيامنا...

    كان الوقت ليلاً عندما عدت إلى شقة ليونيداس. كان البرد شديداً، والأمطار كانت متواصلة، وكنت أحمل تحت إبطى زجاجة روم كنت قد اشتريتها من محل بقالة وجدته مفتوحاً. كانت الشقة مظلمة تماماً، ومتثلجة من شدة البرد. دخلت أتخبط في كل شىء. أضأت النور، وشغلت المدفأة. نزعت غطاء الزجاجة بعصبية وبيدين مرتجفتين وبطيئتين... وهناك على المائدة، في الموضع الذى كان يشغله ليونيداس لآخر مرة؛ جلست لأشرب كى أخفف عذابى، وعلى الأقل فإننى وحدى ولست مضطراً لإخفاء عذابى أمام أحد. كان يمكننى أن أبكى، أصرخ و... فجأة شعرت بعيون ورائى. قفزت من المقعد والتفت ورائى؛ كانا هناك موسى وجاسبار. كنت قد نسيت وجودهما تماماً، إلا أنهما كانا يحدقان فىَّ بثبات. ولا أعرف ماذا أقول عن نظرتهما إلىَّ، وإذا ما كانت نظرة مرحبة أم مرتابة، لكنها ليست سوى نظرة منزعجة بشكل مخيف. ولم أنجح في التحدث معهما في تلك اللحظة، ما كنت أحسه بالكامل هو الفراغ، والغياب، كما لو أنه خارجاً عنى دون قدرة على التفكير بشىء، بالإضافة إلى أننى لا أعرف إلى أى حد هما يدركان الأمور... واصلت الشرب... وحينئذ أدركت أنهما يبكيان في صمت، والدموع تنهمر من عيونهما وتتساقط على الأرض بدون أى تكشيرة، ودون أى صراخ. وعند منتصف الليل، عملت قهوة، وأعددت لهما شيئاً ليأكلاه. لم يحاولا تناول لقمة، وواصلا بكاءهما المفجع المدمر...

    ليونيداس كان قد قام بترتيب أموره. وربما أحرق أوراقه، لأننى لم أعثر على ورقة واحدة في الشقة، وأظن أنه باع الموبيليا متعللاً بالسفر: هم سيذهبون للعودة إلى مكانهم في اليوم التالى. أما الثياب وبقية الحاجيات الشخصية، فكانوا قد أتموا تعبئتهم بعناية في صندوقين للملابس وعليهما بطاقات كتب عليها اسمى. والمال، الذى دفعوه له مقابل الموبيليا، كان مودعاً في البنك، وأيضاً باسمى. كل شىء كان مرتباً بعناية. وما أوصانى به فقط كان دفنه، وأن أكون وصياً على موسى وجاسبار.

    قرب الرابعة صباحاً، غادرنا إلى محطة السكة الحديدية: وقطارنا قام في الساعة الخامسة والربع. وموسى وجاسبار كان لابد وأن يسافرا، مع كراهيتنا الشديدة لذلك، في عربة البضائع، إذ أنها بلا مقابل، وكان ذلك مسموحاً به للمسافرين. كم كانت سفرية متعبة! كنت قد هلكت جسمانياً ومعنوياً، وتحملت أربعة أيام بلياليها بلا نوم أو راحة منذ أن وصلنى التلغراف بخبر وفاة ليونيداس. حاولت أن أنام خلال السفرية، وكانت لحظات فقط تلك التى استغرقت فيها في النوم. في المحطات التى يقف فيها القطار وقتاً أطول؛ ذهبت للاطمئنان على موسى وجاسبار، وما إذا كانا يريدان شيئاً من الطعام. نظراتهما آذتنى. بدت نظراتهما وكأنها تحملنى الذنب في وضعهما... وأنا لا ذنب لى، حضراتكما تعرفان جيداً، وكررت ذلك لهما في كل مرة، لكنهما لم يقدرا أو لم يريدا أن يفهما ذلك، ورأيت أنه من الصعب جداً عليهما أن يعيشا معى، وأنهما لم يحسَّا أبداً بالميل نحوى. بل أحسا بعدم الراحة في حضورى كرقيب عليهما. كان شيئاً بغيضاً أن أصادفهما في بيت ليونيداس في الصيف الماضى! وليونيداس تحاشى أسئلتى عنهما وشرح لى أنهما هكذا في أحسن أحوالهما، وأننى سأحبهما وسأكون صبوراً معهما. وقال لى: "إنهما بالغى الكرم في لطفهما هذان التعيسان" في تلك المرة، كانت وظائفنا مرهقة وشاقة، ولا يكفى القول بأن الشىء الوحيد الذى قمت به حتى أرى ليونيداس ملأنى بالسعادة... وهو بالفعل لم يرنى بعدها. ولذلك لم أستطع تركهما وحدهما موسى وجاسبار. وفى السنة التالية، وهى المرة الأخيرة التى كنت فيها مع ليونيداس، مضى كل شىء بشكل أكثر من العادى. صحيح أننى لم أرْق لهما، ولم يروقا لى، إلا أنهما لم يسببا لى بالفعل مضايقات كثيرة... ولم أعرف كيف توصلا إلى العيش مع ليونيداس... والآن هما معى، بوصية، وبميراث آل إلىَّ من صديقى الذى لا يمكن نسيانه ليونيداس.

    بعد الساعة الحادية عشرة ليلاً، وصلنا إلى بيتى. كان القطار قد وصل متأخراً عن موعده بأكثر من أربع ساعات، وكنا نحن الثلاثة قد هلكنا. وما أمكننى أن أقدمه لموسى وجاسبار للأكل كان فقط قليل من الجبن وفاكهة. أكلا بلا حماس، ونظرا إلىَّ بارتياب. ألقيت لهما بعض الأغطية في الغرفة ليناما، وأغلقت علىَّ أنا باب غرفتى وتناولت قرصاً منوماً.

    اليوم التالى كان يوم أحد. وذلك أنقذنى من الذهاب إلى العمل، ومن ناحية أخرى فأنا لم أكن قادراً على القيام به. كان في نيتى الاستغراق في النوم حتى وقت العصر. ولكن في وقت مبكر جداً، كما لو أنه بسبب النور بدأت أسمع جلبة. كانا هما اللذان قاما من النوم وأخذا يتمشيان من ناحية للثانية في الشقة، حتى وصلا إلى غرفتى، وظلا ملتصقان بالباب. كما لو أنهما يحاولان اختلاس النظر من خلال فتحة المفتاح أو ربما يريدان فقط التصنت لسماع صوت تنفسى ليعرفا إن كنت مازلت نائماً. وعندها تذكرت أن ليونيداس كان يأتى لهما بالإفطار في الساعة السابعة الصبح، وكان علىَّ أن أقوم من نومى لأبحث لهما عن طعام.

    كم كانت قاسية وصعبة تلك الأيام التى تلت وصول موسى وجاسبار إلى بيتى!. كنت معتاداً على الاستيقاظ من النوم قبل الساعة الثامنة بقليل، لأعد لنفسى القهوة، وأخرج للعمل في الثامنة والنصف لأن الأتوبيس يتأخر في وصوله، وعملى يبدأ في الساعة التاسعة.

    مع وصول موسى وجاسبار ارتبكت حياتى كلها. فلابد أن أقوم في الساعة السادسة كى أذهب بنفسى لأشترى اللبن وبقية ما نحتاجه من الطعام، وبعدها أعد الإفطار لهما ليتناولانه في السابعة بالضبط، كما تعودا عليه. ولو تأخرت يغضبان، كما يسبب لى ذلك، الخوف، لأننى لا أعرف ما هى الحدود التى يمكن أن تصل إليها حمى غضبهما. وكان علىَّ، يومياً، أن أرتب الشقة، لأنه منذ أن وجدا هنا، صار كل شىء يطاح به بعيداً عن مكانه.

    لكن ما كان أكثر تعذيباً لى، هو عذابهما الميئوس منه، ذلك البحث عن ليونيداس وانتظاره ومراقبة الأبواب. وأحياناً عندما كنت أعود أنا من العمل، يجريان نحوى مخبولين، لكن عندما يكتشفان أننى أنا تبدو على وجه كل منهما خيبة الأمل، وما يعانيانه يجعلنى أنهار باكياً معهما في وقت واحد. وهذا كان الشىء الوحيد الذى نتشارك فيه. وكانت هناك الأيام التى، تقريباً، لا يستيقظان فيها؛ وتمر فيها الساعات بلا فائدة، فلا نشاط، ولا اهتمام بشىء. كنت أحب أن أعرف ما الذى يفكران فيه وقتها. وفى الحقيقة فأنا لم أوضح لهما شيئاً عندما ذهبت لآخذهما إلى بيتى، ولا أعرف إن كان ليونيداس قال لهما شيئاً عن ذلك، أو أن هناك شيئاً يعرفانه...

    كان قد مضى ما يقرب من الشهر منذ إقامة موسى وجاسبار معى، عندما انتبهت إلى المشكلة الخطيرة التى راحا يسببانها في حياتى، إذ كان لى منذ سنوات عديدة علاقة حب مع عاملة الخزينة في المطعم الذى اعتدت أن أتناول طعامى به. وصداقتنا بدأت بشكل بسيط؛ إذ أننى لم أكن رجلاً من النوع الذى يغازل النساء، أنا ببساطة في حاجة إلى امرأة، وسوسى حلت لى هذه المشكلة. في الأول، كنا نرى بعضنا من وقت لآخر، وأحياناً كان يمر الشهر أو الشهرين نتبادل فيهما التحية فقط في المطعم بانحناءة من الرأس مثل الذين تربطهم معرفة بسيطة. كنت أعيش في هدوء خلال فترة من الزمن دون أن أفكر فيها، لكن فجأة ظهرت علىَّ مرة أخرى أعراض قديمة ومعروفة من مرض عصبى، نوبات تصرفات حادة ومفاجئة، واكتئاب. وعندئذ طلبت سوسى، ورجع كل شىء لوضعه الطبيعى، وصار بعد ذلك شيئاً تعودنا عليه. كانت زيارات سوسى تتم مرة كل أسبوع. وعندما أذهب لدفع الحساب بعدما أتناول طعامى، أقول لها: "هذه الليلة يا سوسى." فإن لم تكن مرتبطة بشىء، إذ أن لديها التزامات أخرى، ترد علىَّ: "سيكون هذه الليلة." أو تقول: "ليس هذه الليلة،غداً لو حضرتك موافق". ارتباطات سوسى لا تسبب لى أى قلق، فلا شىء يفرض التزاماً على أى منا تجاه الآخر، ولا شىء خاص على الإطلاق. وسوسى تتقدم في العمر، وتزداد سمنة، وأبعد ما تكون عن أن توصف بأنها امرأة جميلة، ومع ذلك، فرائحتها طيبة، وتلبس دائماً ملابس داخلية من الحرير مطرزة بالدانتلا، مما يؤثر بشكل ملحوظ في نفسى. أنا لا أتذكر أبداً ولا واحد من فساتينها، لكن أذكر قمصان نومها التى تتقلب بخفة. وهى لم تكن تتكلم أبداً خلال ممارستنا للحب، ويبدو أن الاثنان اللذان كنا هما كانا غائرين بشكل بعيد الغور داخل كل منا، كلينا نحن. وفى الوداع كنت أعطيها مبلغاً من النقود. "أنت حضرتك كريم جداً" تقول لى ذلك وهى راضية، لكن خارج هذا اللطف المعتاد، لم تكن تطلب منى شيئاً أبداً. إلا أن موت ليونيداس أربك علاقتنا التى تعودنا عليها، فقد مر أكثر من شهر قبل أن أطلب سوسى. كنت أعيش هذه الفترة كلها منهكاً مستسلماً للعذاب واليأس الذى أتقاسم أكثره مع موسى وجاسبار اللذان كانا شديدا الغرابة بالنسبة لى كما كنت أنا بالنسبة لهم. وفى تلك الليلة كنت في انتظار سوسى على ناصية المطعم، كالعادة، وصعدنا إلى الشقة. وكل ما حدث تم بسرعة شديدة والذى بذلت جهداً لأفهمه. فعندما مضت سوسى داخلة إلى غرفة النوم فوجئت بموسى وجاسبار وكانا منزويين في الركن وخائفين خلف الكنبة. وشحب وجه سوسى بالشكل الذى جعلنى أعتقد أنه سيغمى عليها وصرخت بعد ذلك كالمجنونة ثم اندفعت بسرعة جارية ونازلة على السلم وأنا أجرى وراءها، وصارت محاولة تهدئتها أمراً بالغ الصعوبة. بعد الذى حدث لسوء الحظ، لم ترجع سوسى إلى شقتى بعد ذلك. وعندما كنت أريد أن أراها، كنت أضطر إلى تأجير غرفة في أى فندق، وذلك ما لا يتفق مع ميزانيتى، ويسبب لى الضيق.

    هذا الذى حدث مع سوسى، كان الأول فقط من سلسلة مصائب. ففى يوم قال لى بواب العمارة:

    ـ يا سيد كلاوس، كل المستأجرين جاءوا ليشتكوا لى بسبب الضجيج غير المحتمل الذى يبدأ في شقتك في وقت مبكر جداً بمجرد خروج حضرتك للشغل.

    ورجانى أن أحل هذه المشكلة. وبعدها كان هناك أشخاص مثل الآنسة إكس X والسيد أ واللذان نزلا إلىَّ بالليل، وقالا لى إنهما يحتاجان لأن يناما بالنهار.

    ذلك أربكنى، فلم أعرف كيف أفكر. ومضايقات مثل التى يحدثها موسى وجاسبار بسبب فقدهم لمن كان يتولى أمرهم، والذى جعلهما يعيشان في صمت، على الأقل هكذا، أثناء وجودى في الشقة. ولما رأيتهما، وقد حُطَّ من قدرهما، ومنكسرى النفس، لم أقل لهما شيئاً؛ بدوت أمام نفسى قاسياً، وعلاوة على ذلك، لم يكن لدىَّ دليل ضدهما...

    وبعد عدة أيام قال لى البواب:

    ـ يؤسفنى ويصعب علىَّ العودة إلى المشكلة نفسها؛ لكن المشكلة أصبحت لا تحتمل بالفعل. ففى وقت مبكر جداً، وبعدما خرجت حضرتك، بدآ في رمى أوانى المطبخ على الأرض، وأوقعوا الكراسى، وأخذوا يحركون الأسرة والموبيليا كلها، وانطلقت صرخاتهما. صراخ، صراخ، إنهما مرعبان يا سيد كلاوس، ونحن لا يمكننا التحمل أكثر من ذلك، وهذا يستمر طوال النهار إلى أن تعود حضرتك.

    قررت التأكد من ذلك فطلبت من المكتب إذناً بالخروج لمدة ساعة. وصلت في منتصف النهار. وجدت أن البواب والكل عندهم حق. فالعمارة بدت لى وكأنها سوف تنهار من شدة الضجيج الذى لا يمكن احتماله والصادر من شقتى. وما أن فتحت الباب حتى فوجئت بموسى واقفاً فوق الموقد، ومن مكانه هناك يقذف جاسبار بالكاسارولات والذى كان يجرى منه تفادياً للقذائف وهو يطلق الصرخات والضحكات كالمجنون، كانا مندمجين في لعبهما بحماس شديد للدرجة التى لم يعملا فيها حساباً لوجودى. كانت الكراسى مطروحة على الأرض، والمخدات مرمية فوق المائدة، وعلى الأرض. وما أن رأيانى حتى تسمرا في مكانهما كالمشلولين وصرخت فيهما غاضباً:

    ـ أنا لا يمكن أن أصدق ما أراه بعينى. لقد وصلتنى الشكاوى من الجيران كلهم، ورفضت أن أصدقهم. حضراتكم ناس، ناس ناكرين للجميل، وتكافئوننى على حسن ضيافتكم بالإساءة ولا تبقون على ذكرى ولى نعمتكم، وموته صار كأنه شىء ومضى، وصار شديد البعد حتى أنه لم يعد يسبب لكما ألماً. وما يهمكم هو اللعب فقط، صغار عديمى التربية، صغار ناكرين للجميل...!

    وعندما انتهيت من كلامى، تخيلت أنهما أرتميا على الأرض وانخرطا في البكاء، وهكذا! تركتهم ورجعت إلى مكتبى. وظل مزاجى سيئاً طوال اليوم، وعندما عدت في المساء، كان البيت مرتباً، وهما لائذين بدورة المياه. عانيت وقتها من مشاعر رهيبة بتأنيب الضمير، إذ أحسست أننى كنت بالغ القسوة مع تلك الكائنات المسكينة. ربما فكرت أنهما لا يدركان أن ليونيداس لن يعود أبداً، ربما يظنان أنه مسافر فقط، وأنه سيعود يوماً ما، وبقدر ما تتزايد الآمال في عودته، تقل معاناتهما. لقد أفسدت عليهما فرصتهما الوحيدة، لكن نوبات تأنيب الضمير انتهت فجأة، إذ عرفت في اليوم التالى؛ أن كل شىء عاد يحدث بنفس الطريقة، الضجيج، والصرخات...

    عندئذ طلبوا منى إخلاء الشقة بحكم قضائى، وبدأت بذلك رحلة التشرد من مكان إلى آخر، شهر هنا، وشهرٌ هناك. وفى تلك الليلة أحسست بأننى منهك بشكل فظيع، ومكتئب بسبب سلسلة من المصائب التى حوطتنى. أخذنا شقة مكونة من حجرة ضيقة، ومطبخ، وحمام، وغرفة نوم واحدة. قررت أن أنام. وعندما دخلت الغرفة فوجئت بهما نائمان في سريرى، عندها تذكرت المرة الأخيرة التى زرت فيها ليونيداس، ليلة وصولى نفسها، أن أخى كان قد وضع سريرين في الغرفة: "موسى وجاسبار ناما في غرفة النوم، وعلينا الآن أن نأخذ راحتنا هنا." كان فيما قاله لى الكفاية، لكنى لم أفهم في ذلك الحين كيف استطاع ليونيداس أن يلبى رغبة هذين المسكينين. والآن فهمت، فمنذ احتلالهما لبيتى ذلك اليوم، وأنا لا أستطيع عمل شىء للخلاص منهما.

    لم تكن لى أبداً مع الجيران علاقات حميمة، لما أبدو عليه من الإرهاق الشديد. فكنت أفضل عزلتى عنهم، وأن أحيا بشكل مستقل. ومع ذلك، كنا نتبادل التحية عند التقائنا على السلم، وفى الممرات، وفى الشارع... ومع وصول موسى وجاسبار تغيرت الأمور... ففى كل الشقق التى قضينا فيها وقتاً قصيراً جداً اكتسبت كراهية الجيران الوحشية، ووصلت للحظة التى كنت أخاف فيها من الدخول إلى العمارة أو الخروج من الشقة. وعند عودتى متأخراً في الليل، بعد أن أكون قد أمضيت وقتاً مع سوسى، أخاف أن أكون بادئاً بالشر. إذ أسمع الأبواب التى تفتح عند مرورى، ووقع خطوات خلفى، تتحرك بخفة، وفى صمت، تنفس شخص ما، وعندما، في النهاية، أدخل شقتى، أكون تقريباً قد استحممت في عرق بارد، وأنا أرتعد من أخمص قدمى إلى قمة رأسى.

    وفى فترة وجيزة، كان لزاماً علىَّ ترك وظيفتى، خوفاً من أننى لو تركتهما وحدهما، فيمكن أن يقتلوهما. كان هناك من الكراهية في عيون الجميع القدر الذى ربما تكون نتيجته بسهولة؛ كسر باب الشقة، أو ربما يضطر البواب أن يفتحه لهم بنفسه، فهو أيضاً يكرههم. تركت العمل، وبقيت معى فقط كمصدر للدخل؛ الكتب التى اعتدت أن أحتفظ بها فأحملها معى إلى البيت. قصص وحكايات للصغار تركوا لى عدداً قليلاً منها، والتى بمثلها لا يمكننى أن أعيش. خرجت في وقت مبكر جداً، مظلم تقريباً لأشترى الوجبات التى أعدها أنا بنفسى. ولا أعود للشارع إلا عندما أذهب لأسلم أو أستلم كتاباً ما، وهذا يتم بشكل سريع، تقريباً وأنا أجرى حتى لا أتأخر. لم أعد أرى سوسى لافتقارى للنقود، وللوقت. فأنا لا يمكن أن أتركهما وحدهما لا بالنهار، ولا بالليل. وهى لم تتنازل أبداً وتقبل بأن تعود وتأتى إلى الشقة. وبدأت أبدد مدخراتى شيئاً فشيئاً، ثم بعد ذلك الأموال التى أوصى بها لى ليونيداس. وكان البؤس هو ما جنيته. فلم أكن أحصل على لا ما يكفى للأكل، ولا على ما يكفى للتنقل باستمرار من منزل إلى آخر. وعندئذ اتخذت القرار بالرحيل.

    وبالنقود التى مازالت معى، اشتريت داراً قديمة عثرت عليها خارج المدينة، وقطعاً من الأثاث التى لا غنى عنها. كانت داراً منعزلة وشبه متداعية، لنعيش هناك نحن الثلاثة، بعيداً عن الناس كلها، وأيضاً لنتخلص من المكائد المحكمة التى تجمعها روابط خفية؛ لكن بكراهية سافرة لا مداراة فيها، وبعقل بارد،

    وغرض لا حل للغزه.

    كل شىء كان معدَّاً للرحيل، كله أو الأفضل القليل منه الموجود لحمله. موسى وجاسبار انتظرا أيضاً لحظة البدء في التحرك. عرفت ذلك من خلال عصبيتهما. وأعتقد أنهما كانا مسروران وأعينهما كانت تلمع. آه لو أمكننى أن أعرف ما الذى كانا يفكران فيه...!

    ولكن لا فكم تحزننى إمكانية أن أغوص للإمساك بوجوده الموحش الغامض. اقتربا منى في صمت كما لو أنهما يحاولا تشمم وجودى من تنفسى، أو يريدان معرفة ما أفكر فيه. لكننى أعرف ما يحسان به من خلال تهللهما بالفرح البادى عليهما من خلال الإحساس بروح الانتصار التى غمرتهما عندما رغبت في إفسادها. هما يعرفان أننى لا أستطيع، وأننى أبداً لن أستطيع تحمل أن أحقق رغبتى الأكثر تحرقاً... ولذلك استمتعا... كم من المرات كان علىَّ أن أقتلهم فيها لو كنت في وضع يتيح لى الحرية في أن أفعل ذلك! ليونيداس، ليونيداس، لا. ولو كان بإمكانى لنفذت ما أمرت به!. أنت تحبنى، بلا شك، مثلما أحبك. ولكن بموتك، وما أوصيت به، فأنت تقضى على حياتى. لا أحب أن أفكر، ولا أعتقد أنك أيضاً تحب التفكير، في اللعنة التى أورثتنى إياها. هل قررت أن تدمرنى. لا. أعرف أن شيئاً ما أقوى منا. أنا لا أحملك الذنب يا ليونيداس: لو أنك كنت قد فعلته لأنه هكذا يجب أن يكون... "يمكننا أن نقوم بألف جولة، لنصل دائماً لنقطة البداية".


    _________________
    يا دمشق البسي دموعي سواراً ****** وتمنّي .. فكلُّ شيء يهونُ
    وضعي طَرحَةَ العروس لأجلي ****** إنَّ مَهْرَ المُناضلات ثمينُ
    avatar
    جارة القمر
    العضو الملكي
    العضو الملكي

    العمر : 31
    الموقع : بين الأهداب

    رد: من روائع الأدب العالمي

    مُساهمة  جارة القمر في الإثنين ديسمبر 06, 2010 8:23 am

    Surprised قصه رائعه جدآ وبهر الكثير من

    من المواقف الإنسانيه

    شكرآ يختي دلال

    دمتي بألق
    avatar
    زاهدة
    عضومميز
    عضومميز

    العمر : 34

    رد: من روائع الأدب العالمي

    مُساهمة  زاهدة في الإثنين ديسمبر 06, 2010 1:50 pm


    حنين رائعة هذة الفكرة
    إسمحي لي بالمساهمة بهذه القصة من الأدب العالمي
    الأسطوانة

    الكاتب الأرجنتيني: خورخي لويس بورخيس

    أنا حطّاب، فحسب، لا يهم من أدعى، أما الكوخ الذي ولدتُ فيه، وحيث قد توافيني المنية، فقائم على تخوم الغابة، وكان تراءى لي أن هذه الغابة مترامية حتى البحر الذي يلف الأرض لفًا، وحيث تطفو المنازل الخشب، شأن منزلي، لا علم لي بشيء من هذا القبيل، إذ لم أعاين قط ما أرويه، ولم يسبق لي أن رأيتُ الطرف الآخر من الغابة.
    ولطالما كان أخي البكر يحملني على القسم وإياه، إذ كنّا صغيرين، بقطع أشجار الغابة بما أوتينا من قوة ساعد حتى نسويها بالأرض الجرداء. لقد مات أخي، فصار جلّ مسعاي اليوم، وما أواصله في كل آن، أمرًا آخر، ناحية الغرب ينساب جدول حيث يسعني الصيد باليد، وفي الغابة ذئاب غير أن الذئاب لا تخيفني، ولم تخذلني الفأس يومًا، ولم أجر جردًا لسنين عمري، وجلّ ما أعرفه أنها كثيرة، أما عيناي فلم تعودا تبصران شيئًا مما أحياه، وفي البلدة، إلى حيث لا أمضي لأنني قد أضلّ الطريق إليها، يحسبني الناس بخيلاً، ولكن تراه أي مال مدفون يجنيه الحطاب من الغابة؟
    اعتدتُ أن أحكُم إغلاق الباب بحجر مخافة أن ينفذ الثلج إلى المنزل، وذات عصر، سمعت وقع خطى متثاقلة، تبعها طرق على بابي، فتحتُ البابَ، فإذا وراءه رجلٌ غريب، فأدخلته، كان امرءًا عجوزًا، طويلَ القامة، وقد جعل يغطي هامته بدثار بال، وكانت ندبة تشطب وجهه شطبًا، وتراءى لي أن كبرَ سنه يهبه قدرًا عظيمًا من المهابة، من دون أن ينقص ذلك من عزمه، وعلى الرغم من ذلك، لاحظتُ أنه كان يضطر إلى التوكؤ على عصاه، في مشيه، ولئن كنا تبادلنا أطراف الحديث، فإني لم أعد أذكر منه شيئًا، وإنما أذكر أنه ختم حديثه قائلاً:



    - ليس لي منزلٌ أبيتُ فيه، وأنزِل حيث تيسّر لي، ثم إني جلتُ في كل أصقاع المملكة الأنجلوسكسونية. وكانت تلك الكلمات خير ما ينطق عن كبره، ولئن كان والدي، فيما مضى، لا يكف عن ذكر المملكة الأنجلوسكسونية بالاسم، فإن الناس اليوم يبدلون تلك التسمية بإنجلترا.
    ولما كان لديّ خبزٌ وسمك، فقد رحنا نتناول العشاء في صمت، فيما كانت الأمطار تهطل، خارجًا، وإذ غلب النعاسُ جفونه، مددتُ له فراشًا من جلود بعض الماشية،وجعلته أرضًا، في الموضع الذي كان أخي قد لفظ أنفاسه الأخيرة فيه، بالضبط، ولم تحلّ حلكة الليل، حتى رأيتنا مستغرقَيْن في نومنا.
    وبعد أن طلع النهار، وكفت الأمطار عن الهطول، وغطّت الأرض قشرة من ندائف الثلج الهامية لتوها، خرجنا سوية من المنزل.

    ونحن على هذه الحال، أفلت الرجل عصاه من يده، وأمرني بأن ألتقطها له.
    فقلت: «ما هي دالّتك عليّ لأطيعك؟».
    فأجابني: «لأنني الملك».
    ظننت أول الأمر أن به مسًا، فالتقطت عصاه، وأعطيته إياها. وراح، لتوّه، يتكلّم بنبرة فريدة:
    - إني ملكُ السكجين، ولطالما أحرزت بهم النصر في معارك ضارية، غير أني أضعتُ ملكي في ما قُدّر لي من الزمن، أما اسمي فهو إيزرن، وأتحدّر من سلالة أودين.

    فرددتُ عليه بالقول:
    «أنا لا أجل قومًا أو دينًا، وإنما أؤمن بالمسيح»:

    فأردف قائلا، وكأنه لم يلقِ بالاً لأي كلمة نطقتُ بها:

    - «لئن كنتُ أهيم في دروب المنفى، فإنني مازلتُ الملك، لأن في حوزتي الأسطوانة، أترغب في رؤيتها»؟

    ثم فتح لي راحة يده العظيمة، فلم تقع عيناي على شيء، لأنها كانت فارغة تمامًا، وللحال، أدركتُ أن قبضته كانت لاتزال مشدودة، وقال وهو ينظر إليّ شزرًا:

    - بوسعك أن تلمسها.

    وبعد تردّد، مددت طرف أناملي لألمس راحته، وللتو، انتابني شعورٌ بالبرود، إذ لمحتُ وميضًا، وانغلقت اليد بغتة، لم أتفوّه بكلمة، وأردف الأخير بأناة كأنما يحدث فتى، قال:
    - إنها أسطوانة أودين، ليس لها إلا وجه واحد، وأنتَ لا تجد في الأرض غيرها ذات وجه، ومادامت في يدي أظل الملك.

    - أتراها من ذهب؟ سألتُ.

    - «لا أدري، إنما هي أسطوانة أودين وكفى، وليس لها إلا وجه واحد

    عندئذ، تملكني الحسد، فطمعتُ بتلك الأسطوانة، ورحتُ أقول في سرّي: لو صارت إليّ، لأمكنني بيعها، ولاستبدلت بها سبيكة من ذهب، فأغدو ملكًا، فقلتُ لهذا المتشرد الذي مازلت أكرهه إلى يومنا:
    - لقد سوّيت لي مخبأ في كومي، وجعلت فيه خزنة مُلئت بالقطع النفيسة، وهي من ذهب كلها، وتتلألأ كما فأسي، وإن أعطيتني أسطوانة أودين، وهبتُكَ خزنتي.

    فردّ عليّ بنبرة ملؤها العناد، قال:
    - هيهات!
    فقلتُ له:
    «إذن، ما عليكَ سوى أن تمضي في سبيلك».
    وما إن استدار حتى عاجلتُهُ بضربة فأسٍ على رقبته، كانت أكثر من كافية لجعله يترنّح ويهوي، غير أنه، لدى سقوطه، جعل يبسط راحته، فعاينتُ الوميض متلألئًا في الهواء. ولما كنت أخشى تضييع الوميض، غيبته بحدّ الفأس، وجعلتُ أجرجر الميت حتى النهر الذي كان لايزال في إبان فيضانه، وألقيتهُ فيه. وحال عودتي، مضيتُ أبحثُ عن الأسطوانة فلم أجدها، وها قد مضت سنوات وأنا لاأزال في بحث دءوب عنها.



    avatar
    ماهر الفية
    العضو الملكي
    العضو الملكي

    العمر : 35
    الموقع : الـجـنـيـنـة نـــت

    رد: من روائع الأدب العالمي

    مُساهمة  ماهر الفية في الإثنين ديسمبر 06, 2010 5:15 pm

    قصة حب قادت اعظم الشعراء والفلاسفة الى الجنون

    كانَ جريمةَ قتل، فراقُنا ...

    يحكى أنّ ميشيل فوكو عندما قدّم أطروحته الضخمة عن "تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي" إلى أستاذه المشرف جورج كانغيلم قال له، وهو يتلعثم، يرتجف، كأنّه يعتذر: إنّي أبيع هذه الأطروحة ببيتين من شعر هولدرلين! فردّ عليه الأستاذ المشرف وقد ارتسم على وجهه شبح ابتسامة خفيفة: ولكنّك شاعر يا صديقي، ولكنّك شاعر… وبالفعل فإنّ كتاب "تاريخ الجنون" مُخْتَرق بالشحنات الشعرية من أوّله إلى آخره. إنّه كتاب ذو نَفَس شعريّ، قويّ، وثّاب، كتاب جنونيّ إذا صحّ التعبير شكلا ومضمونا. أقصد أنّه كتاب عبقريّ. في ضربة واحدة استطاع ميشيل فوكو أن يجمع بين عبقرية الشعر وعبقرية الفكر. إنّه بالتأكيد أجمل كتاب عن تاريخ الجنون في اللغة الفرنسية وربّما في كلّ اللغات. إنّه كتاب يحلّق عالياً، أو ينخفض أحياناً إلى أسفل سافلين لكي يعانق الأعماق الخفيّة والدهاليز السرّية للروح البشرية. فميشيل فوكو، الذي عاش اللحظات الحدّية شخصيا بل وأشرف على حافّة الهاوية، كان مؤهلا أكثر من غيره لأن يعرف قيمة هولدرلين وما الذي يمثّله في تاريخ الشعر الأوروبيّ. فمن هو هولدرلين هذا؟ وكيف أمضى نصف عمره في الصحو، والنصف الآخر في غياهب الجنون؟ وكيف يمكن لشخص جنّ في عزّ الشباب وبقي مجنوناً طيلة خمسة وثلاثين عاماً، أي حتى مات، أن يصبح أكبر شاعر في تاريخ ألمانيا كلّها؟ أقول ذلك مع الاعتذار لغوته وريلكه وبعض الآخرين..
    ____________________ ____________________ _____

    ولد هولدرلين عام 1770 في منطقة ساحرة من مناطق ألمانيا تقع على نهر "نيكار": هناك حيث السماء دائماً صاحية وروحية في فصل الربيع أو الصيف، وحيث الينابيع تجري متسلّلة بين السفوح المغطّاة بالغابات، وحيث مزارع الكرمة والعنب تنتشر على مدّ النظر.. وسوف يكون لهذه الطبيعة الخلابة تأثير واضح على شعره فيما بعد. هناك أيضا حيث معظم الناس إمّا مزارعون وإمّا كهنة ورجال دين، وإما شعراء، وإمّا جميع ذلك دفعة واحدة! فأبوه كان مسؤولاً عن إدارة الأوقاف الدينية، وأمّه كانت ابنة رجل دين. وهو كان موجَّهاً منذ صغره لكي يصبح رجل دين يصلّي بالفلاحين في منطقته ويرشدهم إلى الطريق المستقيم. ولكنّ القدر شاء له مصيراً آخر، أو قل إنّه لم يقبل في أيّ يوم أن يصبح رجل دين. كان يريد أن يكون شاعراً، وشاعراً فقط. لقد أراد أن يكرّس حياته لشيء واحد هو: تحويل العالم إلى شعر، أن يسكن العالم شعريا. هل هو كلاسيكيّ؟ هل هو رومانطيقي؟ لا معنى لهذه التسميات بالنسبة لهولدرلين. إنّها ضيقة عليه. إنّه شاعر وكفى. شاعر يعلو على كلّ التسميات. وربما لم يعرف تاريخ الغرب شاعراً في حجمه ومستواه. ولكن رغم ذلك فإنّ عائلته أجبرته على إكمال دراساته اللاهوتية في جامعة توبنجين الشهيرة. هناك حيث التقى بزميلين سيكون لهما كبير الشأن فيما بعد هما: هيغل وشيلينغ. وهكذا اجتمع في غرفة واحدة ثلاثة شباب سوف يصبحون لاحقا عباقرة ألمانيا شعرا وفكرا. وسوف يدشّنون أكبر حركة روحية- فلسفية في تاريخ أوروبا: الفلسفة المثالية الألمانية. وبقي في هذه الكلية خمس سنوات من عام 1788 إلى عام 1793. كان هولدرلين، بحسب شهادة بعض زملائه الذين عرفوه في الجامعة، شابّاً جميلاً جداً. كان إذا مرَّ في أيّ مكان يلفت الانتباه وإذا دخل الغرفة يضيئها… وكان لطيفاً وحساساً إلى أبعد الحدود. ولكن لم يكن أحد يعرف أنه سيجنّ بعد أقل من عشر سنوات من ذلك التاريخ. كانت الموسيقى تسكن روحه. وكان يعزف على الناي، والعود، ثمّ البيانو فيما بعد. ومنذ البداية راح الهمّ الشعريّ يطغى عليه مثلما راح الهمّ الفلسفي يطغى على زميله هيغل. وهكذا راح ينظم أناشيده من أجل الصداقة، أو الجمال، أو الحبّ. ثم من أجل الطبيعة الساحرة، والقدر، والوطن. وأخيراً من أجل الإنسانية، ولكن قبل كلّ شيء من أجل الحرية. وقرّر أن يكرّس نفسه لقضية الشعر المقدّسة. واعتبر أنّ أيّ اهتمام آخر يلهيه عن قضية الشعر هو بمثابة الخيانة. يذكَّرنا هولدرلين في مجال الشعر، بموزار في مجال الموسيقى، موزار الذي سبقه إلى الوجود بأربعة عشر عاماً فقط والذي كان قريبه ربّما. فهناك صفاء مطلق في كلتا الحالتين ووفاء مطلق لقضية الشعر أو الموسيقى: أي لقضية الفنّ والنزعة الإنسانية العميقة.
    عندما ترك هولدرلين الجامعة كان عمره ثلاثة وعشرين عاماً. وكان قد أصبح شاعراً معروفاً وربما معترفاً به. ولكنّ الشعر لا يطعم خبزاً. وهولدرلين لا يريد أن يصبح كاهناً أو رجل دين. فما العمل؟ لقد ساعده شيلر الذي كان شاعراً مشهوراً آنذاك واستقبله في مجلّته حيث نشر له مقاطع من روايته الشعرية "هيبيريون" التي ستصبح إحدى روائع الأدب الألماني والعالمي. ثمّ عثر له على وظيفة مربّي أطفال في إحدى العائلات الغنيّة. ولكنّ هولدرلين كان يمرّ بحالات مختلفة: فأحياناً يهدأ ويتوازن، وأحياناً تستفزّ أعصابه ويدخل في نوع من الاكتئاب النفسيّ العميق الذي لا تفسير له. ولذا ترك وظيفته فجأة وسافر إلى مدينة "يينا" لكي يحضر دروس الفيلسوف "فيخته" في جامعتها الشهيرة. كان فيخته آنذاك هو فيلسوف ألمانيا بعد رحيل كانط. كان يلهب الشبيبة الألمانية بفكره القويّ وخطاباته القومية الجرمانية التي تجلجل أصداؤها في شتى أرجاء الجامعة وما وراء الجامعة. ولكن سرعان ما عاد الاكتئاب النفسيّ لكي يخيّم على روح هولدرلين من جديد فترك فيخته وفلسفته وذهب لكي يلتجئ عند أمّه في قريته بالقرب من نهر "نيكار". وقد لعبت أمّه دوراً كبيراً في حياته لأنّ أباه مات وهو صغير. ويبدو أنّها كانت قويّة، وصبورة على المصائب والمحن. ولكنّ أمّه كانت متقشّفة وقاسية معه لأنّه لا يستطيع أن يجد وظيفة بمرتّب ثابت ويتزوّج ويبني عائلة مثل كلّ الناس ويعيش.. ولكن المشكلة أنّه لم يكن مثل كلّ الناس ولا يستطيع أن يكون. لم تكن تفهم أنّ للشاعر وضعه الخاصّ وجنونه الخاصّ.. كانت تريد لابنها أن "ينجح" في الحياة كبقية الأمهات، وهذا شيء مفهوم، ولكن ابنها كان عاجزاً عن النجاح في الحياة… بعد أن استعاد شيئاً من توازنه وجد له بعض الأصدقاء وظيفة مربّي أطفال لدى عائلة كبيرة من عائلات مدينة فرانكفورت. وهناك سوف تحصل أكبر قصّة في حياته. فقد وقع في حبّ سيّدة البيت: سوزان غونتار. ويبدو أنّها كانت رائعة الجمال. وكان حبّاً جارفاً، عنيفاً، لا يعرف الحدود. ولكنّه كان حبّاً عذرياً أيضا لا أثر للماديات فيه. ويذكّرنا هولدرلين هنا بشعرائنا العذريين من أمثال مجنون ليلى، أو جميل بثينة، أو كثيّر عزّة، الخ… فعنده نفس الصفاء، ونفس العذاب، ونفس الانغماس في الحبّ إلى درجة الوله. فالمحبوبة لم تعد مطلوبة جسدياً، وإنّما أصبحت مقدّسة لا تمسّ. يكفي أن نحبّها من بعيد..لقد أصبحت الشغل الشاغل الذي يملأ على الشاعر أقطار نفسه. وقد قال عنها هذه العبارة: "حسّي الفنّي لن يضلّ الطريق بعد اليوم. سوف يظلّ يحوم حول هذه الرأس الفاتنة. إنّها إغريقية الجمال!". ولكنّ الزوج المغفّل سرعان ما شعر بالأمر فانتفض وثار، وزمجر ودمدم. والجيران تدخّلوا وشمتوا، والعذّال حسدوا وغاروا. وكانت النميمة والوشايات وكلّ ما يحصل عادة مع قصص الحبّ الكبرى. واضطرّ هولدرلين إلى مغادرة البيت بطريقة مذلّة شبه مهينة بعد أن انكشفت قصّته. بعدئذ استطاع أن يراها بضع مرات فقط عندما كان يمرّ تحت نافذة بيتها في ساعة محدّدة تماماً سواء عرفت أم لم تعرف. أو قد يحصل ذلك عندما كانت تتجرّأ على أن تحدّد له موعداً حيث يراها عن مسافة دون أن يكلّمها…كان يكفيه أن يشعر بحضورها، أن يراها ولو من بعيد. كانت الدنيا تشتعل بوجودها، ويتوقّف الزمن. وكتبت له سوزان غونتار بعضاً من أجمل رسائل الحبّ في تاريخ الأدب الألماني وتفجّعت عليه بشكل يكسر القلب. وحفظ لنا التاريخ رسائلها، ولكنّ معظم رسائله هو إليها ضاعت فلم تصلنا. ولو اتّسع لي المكان هنا لترجمت بعضاً من رسائلها، ولكنه لا يتّسع.
    بعد هذه الحادثة التي حطّمت هولدرلين عاطفياً شعر بآلام نفسية مبرحة فلجأ إلى أحد أصدقائه الخلّص واسمه إسحاق فون سانكلير. فاحتضنه وأسكنه في بيته وواساه. وأحسّ هولدرلين عندئذ بأنّه يمتلك كلّ طاقاته الشعرية. فكتب أجمل قصائده والقلب ينزف وذكرى سوزان غونتار تشعل عبقريته كالنار. ثم كتب روايته الشهيرة "هيبيريون" وأعطى لسوزان فيها اسماً مستعاراً هو: ديوتيما. فهو مضطرّ للمحافظة على سمعتها لأنّها متزوجة وأمّ أولاد.. ولمّا شعر بأنّه فشل على كلا المستويين العامّ والخاصّ راح ينعكف على نفسه ويعتزل في وحدة كثيفة مناسبة لكتابة الشعر. وصبَّ على الورق كلّ ما يعتمل في صدره. وصفّى حساباته مع نفسه ومع القدر. والكتابة في نهاية المطاف ما هي إلا تصفية حسابات.
    ولكنه قبل بعدئذ أن يمارس وظيفة تعليم الأطفال مرّتين. المرّة الأولى في سويسرا، والمرّة الثانية والأخيرة في بوردو بفرنسا. وفجأة يترك بوردو بعد أن سمع بموت سوزان غونتار ويعود إلى ألمانيا سيراً على الأقدام. تخيّلوا المسافة! شيء جنونيّ. وعندما وصل وتأكّد من الخبر شعر وكأنّه مسؤول عن موتها لأنّ فراقه هدّها. وعندئذ ابتدأت أمارات الجنون تظهر على وجهه. ابتدأ يظهر ذلك التناقض الحادّ والقاتل الذي لا يستطيع تصريف نفسه بشكل طبيعي فيلقي بالإنسان في حالة هذيانية أو هستيرية شديدة الخطورة. وهكذا انتهت تلك القصة: هو قتلها، وهي جنَّنته. برافو! هكذا تكون قصص الحب، أو فلا..
    فبعد أن شعرت بأنّه سافر إلى فرنسا ظنّت أنه قد لا يعود أبداً. ولم تستطع أن تتحمّل ذلك. في تلك الأيام كانت فرنسا آخر الدنيا.. لم تكن هناك ثورة معلوماتية ولا هاتف نقّال ولا انترنيت..كان يكفيها منه أن تراه من بعيد أو حتى أن تعرف أنّه موجود في مكان ما بألمانيا داخل الوطن. أمّا أن يسافر إلى الخارج والبلاد الأجنبية فذلك يعني أنّه قد مات.. وأثّر ذلك على معنوياتها كثيرا. وساهم في تدهور صحتها وعجل بموتها وهي في عزّ الشباب: الثلاثين آو أكثر قليلا.. والواقع أنّ السؤال يطرح نفسه هنا: كيف يمكن أن توفّق بين زوج "تافه" رئيس بنك يلعب بالفلوس لعبا، وبين حبيب شاعر نصف مجنون؟ عقلها في جهة وقلبها في الجهة الأخرى. هنا أيضا يوجد تناقض يصعب حلّه. فجاء الموت كعلاج أو كحلّ أخير. وفي بعض الحالات يكون الموت هو الحلّ الوحيد. وما أعذب الموت في بعض الحالات. صحيح أنّها لم تخن زوجها جسديا ولكنّها خانته روحيا وعاطفيا وهي أخطر أنواع الخيانة. الخيانة ليس أن تنام مع امرأة أخرى غير زوجتك. الخيانة هي أن تحبّ امرأة أخرى غير زوجتك، أن تعشقها، أن تهيم بها. فيوميا كانت ترى هولدرلين وهو يربّي أطفالها ويعلّمهم. يوميا كانت تغازله ويغازلها لأنه ينام في نفس البيت! وذلك بحسب العادات الألمانية السائدة آنذاك بالنسبة لمربّي أطفال العائلات الغنيّة. كانت له غرفة خاصة في مكان ما. هذا في حين الزوج المخدوع كان طيلة النهار في الخارج يشرف على إدارة البنك..
    وكتب لها عندئذ قصائد تفجّع قلّ نظيرها في تاريخ الشعر الأوروبي. وهكذا انطفأ هولدرلين نفسياً، ولكنه ظل حياًّ جسدياً مدّة خمسة وثلاثين عاماً أخرى. سوزان غونتار ماتت عام 1802 أمّا هو فلم يمت إلا بعد عمر طويل عام 1843. ولكن كم من الشرشحة والبهدلة أثناء كلّ تلك السنوات الجنونية! يا ليته مات فورا، لكان أفضل. وحتى في الفترة الأولى من جنونه كان لا يزال قادراً على كتابة بعض الأبيات الجميلة والمؤثّرة فعلا. انظر "قصائد الجنون لهولدرلين" التي ترجمها إلى الفرنسية وجمعها لدى غاليمار الشاعر بيير جان جوف عام1963. ثم أصبحت الكتابة مجرّد خربشات على الورق، خربشات متفكّكة تشبه الألغاز والأحاجي التي تستعصي على كلّ قراءة. هكذا راح هولدرلين يقذف على الورق بآخر ما عنده قبل أن ينهار عقله كلياً ويغطس رويداً، رويداً، في بحر الجنون.
    الشيء الذي يؤخذ على هيغل هو أنّه لم يقل كلمة واحدة عن هولدرلين بعد أن سمع بجنونه. نقول ذلك رغم الصداقة الحميمة التي كانت تربط بينهما لسنوات عديدة. فهل كان فيلسوف العقل الجبار عاجزا عن فهم الجنون الجبار أيضا؟ ألم يستطع هيغل أن يستوعب في فلسفته الجدلية كل تناقضات العالم؟ فلماذا لم يستطع إذن أن يستوعب تلك الغَيريّة المرعبة: جنون هولدرلين؟
    كان ينبغي أن ننتظر ظهور فيلسوف آخر، هو ميشيل فوكو، لكي يصبح الجنون موضوعا محترما يستحق أن يهتمّ به الفكر الفلسفي ويوليه العناية القصوى. أليس الجنون هو السفح الآخر للعقل؟ ألا يحيط به من كلّ الجهات مثلما يحيط المرض بالصحة من كلّ الجهات كما يقول ذلك المجنون العبقري الكبير الآخر لودفيغ فتغنشتاين؟ أيّا يكن من أمر فإنّ جنون هولدرلين مثل جنون نيتشه أو جيرار دو نيرفال أو فيرجينيا وولف أو انطونين آرتو أو غويا أو فان غوخ أو عشرات المبدعين الآخرين يطرح مشكلة كبرى ومحيّرة. وكنت قد ناقشتها مطوّلا في نصّ بعنوان: بين العبقرية والجنون. وهو منتشر على الانترنيت في مواقع عديدة. ويا ليته لم ينشر ولم ينتشر لأنّه مليء بالأخطاء المطبعية، ولذلك فلا أنصح أحدا بقراءته إلا على موقع واحد هو: جماليا.
    إنّ انهيار عقول هؤلاء العباقرة يثبت صحّة كلمة ميشيل فوكو في أطروحته الشهيرة المذكورة في بداية هذا الحديث، والتي يقول فيها إنّ الجنون ليس أن تكون متأزّماً نفسياً أو متوتّراً إلى أقصى الحدود. هذه ليست حالة جنونية وإنّما إبداعية. أو قل إنّها جنونية وإبداعية في ذات الوقت. الجنون هو ألا تكون قادراً بعد الآن على إنجاز أيّ عمل كتابيّ بشكل منتظم ومتماسك. الجنون هو الهذيان الكامل أو الصمت المطبق. الجنون هو نهاية العمل الإبداعي أو انقطاعه فجأة أو انعدامه كليا. بدءا من اللحظة التي انهار فيها عقل نيتشه صبيحة ذلك اليوم المشهود 3 يناير1889 وراح يصرخ بأعلى صوته: أنا المسيح، أنا ديونيسوس، أنا يوليوس قيصر..انتهى كلّ شيء. هذا هو الجنون. عندما يصل كاتب ما إلى مرحلة العجز الكامل عن مواصلة الكتابة، إلى استحالة ممارسة الكتابة المتماسكة، عندما يصبح كلامه مجرّد هذيانات متفكّكة أو خربشات على الورق كيفما اتّفق، فإنّه يصبح عندئذ مجنوناً بالفعل. عندئذ ينتصر الجنون على الإبداع لديه ويقتله كليا بعد أن كان وقوده الأساسي طيلة سنوات وسنوات.
    لكنّ جنون هولدرلين سواء أكان ناتجا عن الموت المبكّر لسوزان غونتار أم لا، يثبت صحّة النظرية التي تقول إنّ المثال الأعلى، المثال الرائع، لا يمكن أن يتحقّق على هذه الأرض. أو قل إذا ما تحقّق لا يمكن أن يعيش طويلا. إنّه أجمل من أن يعيش. كلّ ما هو جميل جدّا، أو أكثر من اللزوم، ممنوع. كلّ ما هو أثيريّ، لازورديّ، شفّاف، محال أو مستحيل. ينبغي أن يظلّ كأفق ومثال أعلى فقط. لا ينبغي أن يتلوّث بالواقع الأرضيّ. هولدرلين كان نقيّا أكثر ممّا ينبغي، كان صافيا لا يستطيع المساومة، وبالتالي فلم يكن أمامه إلا حلان لا ثالث لهما: إمّا الجنون وإما الانتحار. لهذا السبب احترق في عزّ الشباب. لنستمع إليه وهو يتفجّع على المرأة الوحيدة التي أحبّها في حياته، على سوزان غونتار الملقّبة هنا بديوتيما:

    ديوتيما
    ديوتيما، آه طوبى لك أيتها السعيدة!
    يا روح سماوية، عن طريقها قلبي
    عولج من قلق الحياة
    وراح يعد نفسه بالشباب الأبديّ للآلهة!
    سوف تدوم سماؤنا يا ديوتيما!
    مرتبطتان بأعماقهما السحيقة،
    روحي وروحك،
    حتى قبل أن نلتقي
    كنا قد التقينا..
    avatar
    جارة القمر
    العضو الملكي
    العضو الملكي

    العمر : 31
    الموقع : بين الأهداب

    رد: من روائع الأدب العالمي

    مُساهمة  جارة القمر في الثلاثاء ديسمبر 07, 2010 9:53 am

    Surprised جميله جدآقصصك العالميه

    صديقي شموخ

    شكرآ لإضافاتك الثريه على صفحتي

    دمت بسلام
    avatar
    ماهر الفية
    العضو الملكي
    العضو الملكي

    العمر : 35
    الموقع : الـجـنـيـنـة نـــت

    رد: من روائع الأدب العالمي

    مُساهمة  ماهر الفية في الثلاثاء ديسمبر 07, 2010 2:29 pm

    دائما ما نردد كلمة صبر أيوب
    فهل تعرف على ماذا صبر نبي الله أيوب ؟؟
    أيوب عليه السلام ..
    نبى من أنبياء الله العظام الذين جاء ذكرهم فى القرآن الكريم .. يعرفه العام والخاص ، فحين يضربون مثلا للصبر يقولون " صبر أيوب "
    فيا تُرى ما قصةُ أيوب عليه السلام ..
    أيوب عليه السلام من ذرية يوسف عليه السلام ، تزوج سيدة عفيفة.
    وأيوب عليه السلام وزوجته الكريمة يعيشان فى منطقة " حوران "
    وقد أنعم الله على أيوب عليه السلام بنعم كثيرة فرزقه بنينًا وبنات، ورزقه أراضى كثيرة يزرعها فيخرج منها أطيب الثمار .... كما رزقه قطعان الماشية بأنواعها المختلفة .. آلاف من رءوس الأبقار ، آلاف رءوس من الأغنام ، آلاف من رءوس الماعز وأخرى من الجمال
    وفوق ذلك كله أعلى الله مكانته واختاره للنبوة .
    وكان أيوب عليه السلام ملاذًا وملجئًا للناس جميعًا وبيته قبلة للفقراء لما علموا عنه أنه يجود بما لديه ولا يمنعهم من ماله شيئًا .
    و لا يطيق أن يرى فقيرًا بائسًا، و بلغ من كرمه عليه السلام أنه لم يتناول طعامًا حتى يكون لديه ضيفًا فقيرًا .
    هكذا عاش أيوب عليه السلام ..
    يتفقد العمل في الحقول والمزارع ، ويباشر على الغلمان والعبيد والعمال ، وزوجته تطحن وبناته يشاركن الأم ..
    وأبناء أيوب عليه السلام يحملون الطعام ويبحثون عن الفقراء والمحتاجين من أهل القرية ، والخدم والعمال يعملون في المزارع والأراضى والحقول .
    و أيوب عليه السلام يشكر الله .. ويدعو الناس إلى كل خير وينهاهم عن كل شر .
    أحب الناسُ أيوب عليه السلام .. لأنه مؤمن بالله يشكر الله على نعمه .. ويساعد الناس جميعاً .. ولم يتكبر بما لديه ، من مزارع وحقول وماشية وأولاد ..
    كان يمكنه أن يعيش في راحة ، ولكنه كان يعمل بيده ، وزوجته هي الأخرى كانت تعمل فى بيتها ....
    (2)
    راح الشيطان يوسوس للناس يقول لهم: إن أيوب يعبد الله لأنه أعطاه هذا الخير العميم والفضل الكثير من البنين والبنات والأموال من قطعان الماشية والأراضى الخصبة .. فأيوب يعبد الله لذلك وخوفا على أمواله . ولو كان فقيرًا ما عبد الله ولا سجد له ...
    ووجد الشيطان من يسمع له ويصغى لما يقول من وساوس .. فتغيرّت نظرتهم إلى أيوب عليه السلام وأصبحوا يقولون :
    " إن أيوب لو تعرض لأدنى مصيبة لترك ما هو فيه من الطاعة والإنفاق فى سبيل الله .. ألا ترون كثرة أولاده وكثرة أمواله وكثرة أراضيه المثمرة ، فلو نزع الله منه هذه الأشياء لترك عبادة الله بل سينسى الله ..
    ورويدًا رويدًا ..
    تحول أهل حوران إلى ناقمين على أيوب عليه السلام بعدما كانوا يحبونه حبا جما .. وأصبحوا يرون أيوب عليه السلام من بعيد فيتحدثون عنه بصورة مؤذية .
    (3)
    بدأت المحنة والابتلاء من الله تعالى . .
    فبينما كان كل شيء يمضي هادئاً . . فأيوب عليه السلام حامدًا شاكرًا ساجدًا لله تعالى على نعمه الكثيرة .. وأولاده ينعمون ويشكرون الله .. والعمال والعبيد يعملون في الأراضي والمزارع ..
    زوجة أيوب عليه السلام كانت تطحن في الرحى . .
    وبينما الجميع فى عافية من أمره مغتبطًا مسرورًا ، إذ وقعت الابتلاءات والمحن ..
    فجاء أحد العمال يجرى ويصيح :
    ـ يا سيدى .. يا نبى الله ؟!!
    ـ ماذا حصل ؟! تكلم .
    ـ لقد قتلوهم . . قتلوا جميع رفاقي . . الرعاة والفلاحين . . جميعهم قتلوا جرت دماؤهم فوق الأرض . . .
    ـ كيف حدث ذلك ؟!
    ـ هاجمنا اللصوص . . وقتلوا من قتلوا وأخذوا ما معنا من ماشية .
    أيوب عليه السلام أخذ يردد : إنا لله وإنا إليه راجعون . . .
    إن الله سبحانه شاء أن يمتحن أيوب .. وأراد أن يبين للناس أن أيوب عليه السلام رجلاً صابرًا محتسبًا ولا يعبده لأنه فى غنى وعافية.
    في اليوم التالي نزلت الصواعق من السماء على أحد الحقول التابعة لما يملكه أيوب عليه السلام .. وجاء أحد الفلاحين .. كانت ثيابه محترقة وحاله يُرثى له .
    هتف أيوب عليه السلام :
    ـ ماذا حصل ؟!
    ـ النار ! يا نبي الله النار !!
    ـ ماذا حدث ؟
    ـ احترق كل شيء . . لقد نزل البلاء . . الصواعق أحرقت الحقول والمزارع . . أصبحت أرضنا رمادًا يا نبي الله . . كل رفاقي ماتوا احترقوا .
    قالت زوجة أيوب عليه السلام :
    ـ ما هذه المصائب المتتالية ؟!
    ـ اصبري يا امرأة . هذه مشيئة الله .
    ـ مشيئة الله !!
    أجل .. لقد حان وقت الامتحان .. ما من نبي إلاّ وامتحن الله قلبه.
    نظر أيوب عليه السلام إلى السماء وقال بضراعة :
    ـ الهي امنحني الصبر ...
    في ذلك اليوم أمر أيوب عليه السلام الخدم والعبيد بمغادرة منزله .. والرجوع إلى أهاليهم والبحث عن عمل آخر .
    وفى اليوم التالى .. حدثت مصيبة تتكسر أمامها قلوب الرجال ..
    لقد مات جميع أولاده البنين والبنات ، حيث اجتمعوا فى دار لهم لتناول الطعام فسقطت عليهم الدار فماتوا جميعا .
    وازدادت محنة أيوب عليه السلام أكثر وأكثر ..
    فلقد اُبتلى فى صحته ....
    وانتشرت الدمامل فى جسمه ..
    وتحول من الرجل الحسن الصورة والهيئة إلى رجل يفر منه الجميع .
    ولم يبق معه سوى زوجته الطيّبة ..
    أصبح منزله خالياً لا مال له ، لا ولد ، ولا صحة ..
    عَلَّمَ أيوبُ عليه السلام زوجته أن هذه مشيئة الله ، وعلينا أن نسلّم لأمره ...
    حاول الشيطان اللعين أن ينال من قلب أيوب عليه السلام ، فأخذ يوسوس إليه من كل جانب قائلا : ماذا فعلت يا أيوب حتى يموت أولادك وتصاب فى أموالك ، ثم تصاب فى صحتك .
    فاستعاذ أيوب عليه السلام بالله من الشيطان الرجيم .. وتفل على الشيطان الرجيم ففر من أمامه . وكذلك فعلت زوجته وطردت وساوس الشيطان .
    وكان أيوب عليه السلام لا يزداد مع زيادة البلاء إلا صبرًا وطمأنينة .
    (4)
    ويأس الشيطان من أيوب وزوجته الصابرين المحتسبين .
    فاتجه إلى أهل حوران ينفث فيهم الوساوس حتى جعلهم يعتقدون أن أيوب عليه السلام أذنب ذنباً كبيراً فحلّت به اللعنة ..
    ونسج الناسُ الحكايات والقصص حول أيوب عليه السلام .. وتطور الأمرُ أكثر حتى ظنوا أن في بقائه خطرًا عليهم .
    وعقدوا العزم أن يخرجوا أيوبَ من أرضهم ..
    وجاءوا إلى منزله .. لم يكن في منزله أحد سوى زوجته قائلين :
    نحن نظنّ أن اللعنة قد حلّت بك ونخاف أن تعمّ القرية كلها .. فاخرج من قريتنا واذهب بعيداً عنا نحن لا نريدك أن تبقى بيننا .
    غضبت زوجته من هذا الكلام قالت : نحن نعيش في منزلنا ولا يحق لكم أن تؤذوا نبي الله فى بيته وفى عقر داره ..
    فردُّوا عليها بوقاحة : إذا لم تخرجا فسنخرجكما بالقوّة .
    لقد حلّت بكما اللعنة وستعمّ القرية كلها بسببكما ..
    حاول أيوب عليه السلام أن يُفْهِمَ أهل القرية أن هذا امتحان وابتلاء من الله ، وأن الله يبتلى الأنبياء ابتلاءات شديدة حتى يكونوا مثلا ونموذجًا لتعليم الناس .
    قالوا له : ولكنك عصيت الله وهو الذي غضب عليك .
    قالت زوجته : انتم تظلمون نبيكم ..
    هل نسيتم إحسانه إليكم هل نسيتم يا أهل حوران الكساء والطعام الذي كان يأتيكم من منزل أيوب ؟!
    قال أيوب عليه السلام : يا رب إذا كانت هذه مشيئتك فسأخرج من القرية وأسكن في الصحراء . . يا رب سامح هؤلاء على جهلهم ... لو كانوا يعرفون الحق ما فعلوا ذلك بنبيهم ...
    هكذا وصلت محنةُ أيوب عليه السلام، حيث جاء أهلُ حوران وأخرجوه من منزله .
    كانوا يظنّون أن اللعنة قد حلّت به ، فخافوا أن تشملهم أيضاً . نسوا كل إحسان أيوب وطيبته ورحمته بالفقراء والمساكين !
    لقد سوّل الشيطانُ لهم ذلك فاتّبعوه وتركوا أيوب يعاني آلام الوحدة والضعف والمرض .. لم يبق معه سوى زوجته الوفية .. وحدها كانت تؤمن بأن أيوب في محنة تشبه محنة الأنبياء وعليها أن تقف إلى جانبه ولا تتركه وحيداً .
    (5)
    ضاقت الأحوالُ فمات الولدُ وجفَّ الخيرُ وتصالحت الأمراض والبلايا على جسمه ، فقعد لا يستطيع أن يكسب قوت يومه .
    وخرجت زوجته تعمل في بيوت حوران، تخدم وتكدح في المنازل لقاء قوت يومهما ..
    وكانت زوجة أيوب عليه السلام تستمدّ صبرها من صبر زوجها وتحمّله . وقد أعدت لأيوب عليه السلام عريشًا فى الصحراء يجلس فيه وكانت تخاف عليه من الوحوش والحيوانات الضالة، لكن لا حيلة لهما غير ذلك .
    وظل الحال على ذلك أعواما عديدة وهما صابرين محتسبين .
    وفى يوم من الأيام ..
    وبينما كانت الزوجة الصالحة خارج البيت ..
    مرّ رجلان من أهل حوران – وكانا صديقين له قبل ذلك - توقفا عند أيوب عليه السلام ونظرا إليه، فرأوه على حالته السيئة من المرض والفقر والوحدة ..
    فقال أحدهما : أأنت أيوب ! سيد الأرض
    - ماذا أذنبت لكي يفعل الله بك هذا ؟!
    وقال الآخر : انك فعلت شيئاً كبيراً تستره عنا ، فعاقبك الله عليه .
    تألّم أيوب عليه السلام . إن الكثير يتهمونه بما هو برئ منه .
    قال أيوب عليه السلام بحزن : وعزّة ربي إنّه ليعلم ببراءتى من هذا.
    تعجّب الرجلان من صبر أيوب عليه السلام ، وانصرفا عنه في طريقهما وهما يفكّران في كلمات أيوب عليه السلام !
    أما زوجته الصالحة فقد بحثت عمّن يستخدمها في العمل ، ولكن الأبواب قد أُغلقت في وجهها . . ومع ذلك لم تمدّ يدها لأحد .
    وتحت ضغط الحاجة والفقر ، اضطرت أن تقص ضفيرتيها لتبيعهما مقابل رغيفين من الخبز
    ثم عادت إلى زوجها وقدّمت له رغيف الخبز عندما رأى أيوب عليه السلام ما فعلت زوجته بنفسها شعر بالغضب .
    حلف أيوب عليه السلام أن يضربها على ذلك مائة ضربة، ولم يأكل رغيفه كان غاضباً من تصرّفها ، ما كان ينبغي لها أن تفعل ذلك .
    (6)
    ورغم أن زوجة أيوب عليه السلام طلبت منه كثيرا أن يدعوا الله لكى يزيح عنه هذا البلاء الذى استمر هذه السنوات العديدة فكان يرفض أن يشكو الله تعالى .
    وتحمل المرض والبلايا .. وتحمل اتهامات الناس .
    لكن بيع زوجته لضفيرتيها هزه من الداخل ..
    فنظر إلى السماء وقال :
    يا رب إنّي مسّني الشيطان بنصبٍ وعذاب.
    يا رب بيدك الخير كله والفضل كله وإليك يرجع الأمر كله ..
    ولكن رحمتك سبقت كل شئ ..
    فلا أشقى وأنا عبدك الضعيف بين يدك ..
    يا رب ‍‍.. مسنى الضر وأنت أرحم الراحمين ..
    وهنا .... أضاء المكان بنور شفاف جميل وامتلأ الفضاء برائحة طيّبة، ورأى أيوب ملاكاً يهبط من السماء يسلم عليه ويقول :
    نعم العبد أنت يا أيوب إن الله يقرئك السلام ويقول : لقد أُجيب دعوتك وأن الله يعطيك أجر الصابرين..
    اضرب برجلك الأرض يا أيوب ! واغتسل في النبع البارد واشرب منه تبرأ بإذن الله .
    غاب الملاك ، وشعر أيوب بالنور يضيء في قلبه فضرب بقدمه الأرض، فانبثق نبع بارد عذب المذاق .... ارتوى أيوب عليه السلام من الماء الطاهر وتدفقت دماء العافية في وجهه ، وغادره الضعف تماماً.
    و بينما أيوب عليه السلام يغتسل عريانا خر عليه رِجْلُ جَرَادٍ من ذهب فجعل يحثي في ثوبه . فناداه ربه يا أيوب ألم أكن أغنيتك عما ترى ؟ قال بلى يا رب، ولكن لا غنى لي عن بركتك ..
    خلع أيوبُ عليه السلام ثوب المرض والضعف وارتدى ثياباً تليق به ، يملؤها العافية والسؤدد .
    وشيئاً فشيئاً .. ازدهرت الأرض من حوله وأينعت .
    عادت الصحة والعافية .. عاد المال .. ودبت الحياة من جديد.
    عادت الزوجة تبحث عن زوجها فلم تجده ووجدت رجلاً يفيض وجهه نعمة وصحته وعافية . فقالت له باستعطاف :
    ـ ألم ترَ أيوب . . أيوب نبي الله ؟!
    ـ أنا أيوب ‍‍‍.
    ـ أنت ؟! إن زوجي شيخ ضعيف .. ومريض أيضاً !
    ـ المرض من الله والصحة أيضاً .. وهو سبحانه بيده كل شيء .
    ـ نعم .. لقد شاء الله أن يمنّ عليّ بالعافية وأن تنتهي محنتنا ! وأمرها أن تغتسل فى النبع ، لكى يعود إليها نضارتها وشبابها .
    فاغتسلت في مياه النبع فألبسها الله ثوب الشباب والعافية .
    ورزقهما الله بنينا وبنات من جديد ..
    ووفاء بنذر أيوب عليه السلام أن يضرب زوجته مائة ضربة أمره الله تعالى أن يأخذ ضغثا وهو ملء اليد من حشيش البهائم ، ثم يضربها به فيوفى يمينه و لا يؤلمها ، لأنها امرأة صالحة لا تستحق إلا الخير.
    وكان أيوب عليه السلام واحدًا من عباد الله الشاكرين فى الرخاء، الصابرين فى البلاء ، الأوَّابين إلى الله تعالى فى كل حال .
    وعَرِفَ الناسُ جميعًا قصةَ أيوب عليه السلام وأيقنوا أن المرض والصحة من الله وأن الفقر والثراء من الله .
    ) .... فَاقْصُصِ القَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (
    سورة الأعراف آية 176
    وسجل الله قصته فى القرآن الكريم فقال تعالى :
    ) وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ ( سورة الأنبياء الآية : 83 و 84
    وقال تعالى :
    ) وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ * ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ * وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنَّا وَذِكْرَى لِأُوْلِي الْأَلْبَابِ * وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِب بِّهِ وَلَا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ ( سورة ص الآية : 41 ـ 44
    عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ . إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ
    وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ
    إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ ...
    avatar
    ماهر الفية
    العضو الملكي
    العضو الملكي

    العمر : 35
    الموقع : الـجـنـيـنـة نـــت

    رد: من روائع الأدب العالمي

    مُساهمة  ماهر الفية في الخميس ديسمبر 09, 2010 4:35 pm

    العائلة التي كانت تعيش بسلام
    قصة للكاتب الأمريكي: أ. ب. هوايت

    نشرت في مجلة العربي الكويتية بتاريخ 1/ 9/1993

    " كانت أسرة (برويت) تعيش في سكينة من صيد السمك في كوخها القائم فوق جزيرة صغيرة منعزلة في الطرف الجنوبي لخليج (بارنتاك)، وهي أسرة صيادين تتألف من سبعة أشخاص، يعيشون في هذا المكان بمفردهم، وكان غذاؤهم يتكون من معلبات الحبوب والطماطم ومعجون لحم الطيور المحفوظ أيضا، والخبز المحبحب الجسيم وسلاحف المياه العذبة والرز المحمص والسراطين والجبن والزيتون، هذا بالإضافة إلى نقيع فواكه. بيتيا من العنب البري. .

    كانوا جميعا يحبون هذه الجزيرة ويحيون فيها بمحض إرادتهم وكان من عاداتهم في فصل الشتاء عندما لا يوجد أمامهم ما يصنعونه الخلود للرقاد ليل نهار تقريبا كما تفعل الدببة أما في الصيف فيعمدون إلى جمع القواقع والأصداف، كما كانوا يحتفلون بالعيد الوطني الأمريكي يوم الرابع من تموز كل عام، فينصبون أرجوحة أطفال يتناوبون عليها جميعا، ولم تقع في العائلة حالة واحدة من حالات التهاب الزائدة الدودية الحاد، وإذا ما شعر أحد أفرادها بألم ما فإنه لا يعبأ كثيرا بالأمر، بل ولا يلاحظ أين مصدر ذلك، أهو في الجانب الأيمن أو الأيسر، فقد كان يأمل بزوال الألم سريعا، وهذا بالفعل ما كان يحدث. وحل موسم شتاء قارس، أشد برودة من المعتاد فتجلدت مياه خليج (بارنتاك)، وأصبحت أسرة (برويت) معزولة تماما عن العالم، ولم يعد بإمكانها الوصول إلى اليابسة باستخدام القارب نظرا لوجود الغطاء الجليدي السميك. ولكن بما أنه ليس ثمة حاجة لذهاب أي فرد منها إلى الشاطىء، اللهم إلا من أجل البريد، وهو أمر يعتبر من الحاجات الثانوية، لم يعبأ أحد من الأسرة بوجود الحاجز الجليدي. وهكذا جلس الجميع في المنزل قرب الموقد، يتسلون بلعبة الكرات الخشبية عندما لا يكون هناك ما يصنعونه، فالشتاء سوف ينصرم عاجلا أم آجلا، وكان من الممكن أن ينصرم بكل هدوء لو لم يشعر أحدهم على اليابسة بأن أسرة (برويت) محصورة وسط جليد الخليج. وسرعان ما سرى خبر هذه الشائعة فوصل إلى المدينة، وإلى سمع مدير شرطة الولاية فأعلم بذلك فورا صحيفة "باتي نيوز" وجيش الولايات المتحدة وكان الجيش الأمريكي أول من هرع للنجدة فأقلعت ثلاث طائرات. قاذفة للقنابل من قاعدة "لا نغلي فيلد" وقد حلقت فوق الجزيرة على ارتفاع منخفض وأسقطت رزما من الخضار المجفف ومكعبات مرق الدجاج، وهي من الأصناف التي لا تحبها أسرة ( برويت) كثيرا، وبعد ذلك وصلت طائرة رجال السينما، وهي أقل حجما من قاذفة القنابل ولكنها مجهز بالزلاجات، وهكذا حطت في الجزء الشمالي من الجزيرة فوق حقل ثلجي. وفي هذه الأثناء أصدر الميجر ( باركس) قائد قوات الولاية، وكان قد أخطر بطريق شخصي أن أحد أفراد أسرة (برويت) مصاب بالتهاب الزائدة الحادة، أمره على وجه السرعة، بإرسال زلاجة مع كلاب تجرها، وذلك على متن طائرة أقلعت من (لاكونيا) وبلاية نيوهامبشير، كما بعث بفصيلة إنقاذ تحاول عبور الخليج فوق الجليد. وعند الغروب نزل الثلج ولقي من أفراد الإنقاذ مصرعهم على بعد حوالي نصف ميل من الشاطئ لدى محاولتهم القفز من قطعة جليد عائمة إلى أخرى.

    أما بشأن الطائرة التي حملت الكلاب والزلاجة فقد اكتسى جناحها بطبقة سميكة من الجليد والثلج وعندما أصبحت فوق جنوبي نيوانجلند راح الطيار يحوم في الجو بحثا عن مكان يصلح للهبوط الاضطراري، بيد أن قطعة كبيرة من العظم كان أحد الكلاب قد صعد بها إلى الطائرة، انزلقت لدى انحدار الطائرة وانغرست في فجوة مقر المقود فاستعصى تحريكه وتابعت الطائرة انحدارها حتى اصطدمت بسور محطة كهربائية، فلقي جميع الركاب، أي: الطيار وكلابه، مصرعهم، أما (وولتر رينغستيد) الذي يقيم في غاردن فيو افنيو) رقم 3452 بولاية كانيكتيكت فأصيب بجراح خطيرة.

    وقبيل منتصف الليل بقليل وصل خبر الزائدة الدودية إلى أسرة (برويت)، وذلك حينما تمكنت طائرة مروحية مستأجرة تابعة لوكالة الأنباء الدولية في (هارتس) من الهبوط وسط العاصفة، وفهم المستر (برويت) من المصورين أن ابنه البكر (تشارلز) مريض، وأن من الضروري نقله إلى بلتيمور من أجل إجراء عملية جراحية مستعجلة له. ورغم اعتراض المستر (برويت)، أكد (تشارلز) أنه يحس فعلا ببعض الألم في خاصرته، وقد حسم بذلك المسألة، وتم نقل (تشارلز) بالطائرة المروحية، وبعد أقل من عشرين دقيقة وصلت طائرة أخرى وعلى متنها طبيب جراح مع ممرضتين رفيعتي التأهيل، بالإضافة إلى مذيع تلفزيوني من محطة البث الوطنية، وأجرى الفريق الطبي عملية استئصال الزائدة لابن برويت الثاني ( تشيستر) ووصفت العملية بأنها في منتهى الخطورة وتم نقلها حية على الهواء عن طريق التلفزيون من مطبخ ( أسرة برويت) مباشرة، بيد أن الفتى مات بعد العملية لأنه التهم كمية كبيرة من الخضار المجفف بعد العملية بوقت وجيز، على أن الفتى الأول (تشارلز) تماثل للشفاء بعد فترة طويلة من النقاهة ورجع إلى الجزيرة في أيام الربيع الدافئة الأولى. ولقد اندهش كثير للتغيير الذي طرا على المكان، إذ لم يعد لمسكن الأسرة وجود، فقد قضى عليه حريق شب فيه خلال الليلة والأخيرة لعمليات الإنقاذ، ويرجع سبب الحريق إلى شرارة انبعثت من عادم إحدى الطائرات المقلعة، واصابت علبة القمامة على شرفة البيت. وعقب الحريق انتقل المستر، (برويت) بعائلته إلى براكة الطوارئ المؤقتة التي كانت قد أقيمت من أجل العاملين الإذاعيين والتلفزيونيين. وعاشت الأسرة في تلك البراكة حتى الليلة التي هلك فيها جميع افرادها من جراء تناولهم لمحلول الفينول بنسبة 10 بالمائة، وكان الجراح قد تركه وراءه، بيد أن رب العائلة اعتبره ضربا من المشروبات الكحولية التي يحتسيها أهل المدينة لبعث الحرارة في مفاصلهم وقت البرد.

    لقد بدأ خليج (بارنتاك) موحشا وغريبا كل الغرابة ل (تشارلز)، وهكذا بارح جزيرته التي رأى النور فيها، ونزح إلى اليابسة، وذلك بعد أن وارى ذويه الثرى، حسب الأصول.
    avatar
    ماهر الفية
    العضو الملكي
    العضو الملكي

    العمر : 35
    الموقع : الـجـنـيـنـة نـــت

    رد: من روائع الأدب العالمي

    مُساهمة  ماهر الفية في الجمعة ديسمبر 10, 2010 5:08 pm

    الحارس الليلي




    - مَن هناك؟

    لم يأته رد. ولم يكن بمقدور الحارس ان يرى شيئا. رغم زئير الريح المتواصل وارتطامها بالشجر، كان يسمع وقع اقدام تتقدمه على امتداد الطريق. ليلة من ليالي آذار (مارس). السماء ملبدة بالغيوم، والضباب الكثيف يغلف كل شيء، وخيل للحارس بأن الأرض والسماء وهو نفسه مع أفكاره قد توحدوا جميعا في هيئة واحدة هائلة منيعة تتسربل بالسواد. كان يتلمس طريقه في تلك العتمة الكثيفة.

    عاد الحارس يصيح مناديا:

    - من هناك؟

    وبدأ يتخيل بانه يسمع همسا وضحكة مكتومة.

    - من هناك؟

    - أنا...ايها الصديق.

    جاءه صوت رجل عجوز.

    - ولكن من تكون؟

    - أنا....مسافر.

    عندها صرخ الحارس بغضب، وهو يحاول أن يخفي رعبه بالصراخ.

    - أي نوع من المسافرين أنت؟ ماذا تفعل بحق الشيطان في مثل هذه الساعة داخل المقبرة؟

    - ماذا ؟! أتقول أنها مقبرة ؟!

    - وماذا تكون؟ بالطبع أنها مقبرة. الا ترى ذلك؟

    جاءه صوت الرجل العجوز متنهدا:

    - يارب السموات! لكني لا أرى شيئا. لا استطيع حتى أن أرى يدي أمام وجهي.

    - ولكن من تكون؟

    - أنا حاج...يا صديقي

    عندها انطلق الحارس يغمغم لنفسه بتذمر:

    - الشياطين وطيور الليل...نوع جيد من الحجاج...وكذلك السكارى. يسكرون طوال النهار ويخرجون في الليل ليجوبوا الطرقات

    ثم أضاف بعد لحظة صمت.

    - يخيل لي اني سمعت أكثر من صوت، كأنكم إثنان أو ثلاثة.

    - إنني لوحدي يا صديقي، لوحدي. آآآآآآ....كم نرتكب من ذنوب.....

    وتعثر الحارس بالرجل فتوقف.

    - كيف جئت إلى هذا المكان؟

    - فقدت طريقي ايها الرجل الطيب. فأنا متجه إلى (متريفسكي ميل) ولكن يبدو أنني قد ضعت.

    - نعم، هذا صحيح، فالطريق إلى (متريفسكي ميل) ليست من هنا. كان عليك أن تتجه إلى اليسار. تخرج من المدينة مباشرة لتسلك الطريق الخارجي. واضح انك توقفت في المدينة لتشرب بضعة كؤوس، ولهذا انت الآن تائه.

    - نعم يا صديقي فعلت ذلك. لن أخفي ذنوبي، ولكن ماذا افعل الآن؟

    - تستمر حتى نهاية الطريق، ثم تنعطف معه إلى اليمين وتسير حتى تصل البوابة وهي نهاية المقبرة، تفتحها وتخرج مصحوبا بالسلامة. وحاذر أن تسقط في الغدير. بعد المقبرة تسير بمحاذاة الحقول حتى تصل الطريق الرئيسي.

    - أعطاك الرب الصحة والعافية يا صديقي، وحمتك السموات. كن رحيما معي أيها الرجل الطيب وسر معي حتى البوابة.

    - لا ليس عندي الوقت لذلك، عليك أن تذهب لحالك.

    - كن رحيما، وسوف أصلي من أجلك. فأنا لاأستطيع أن أرى شيئا. المرء لايستطيع أن يرى كفيه أمام وجهه بسبب الظلمة. دلني على الطريق يا سيدي.

    - كما لو أنني لدي الوقت الكافي كي أكون دليلا لك. هذا غير ممكن يا سيد.

    - بحق السيد المسيح، أتوسل إليك أن تدلني على الطريق، فأنا لا أرى شيئا. ثم إنني أخاف أن أسير وحيدا في المقبرة. إنه أمر مرعب ومخيف.

    يتنهد الحارس أخيرا ويقول:

    - يبدو أن لا خلاص منك. حسنا، هيا بنا.

    وسارا سوية، الحارس والمسافر، متلاصقين وصامتين. وكانت الريح المشبعة بالرطوبة تضرب وجهيهما مباشرة، بينما خشخشة الأشجار الخفية تنثر قطرات الماء عليهما، وكانت الطريق مغطاة بالوحل تماما.

    قال الحارس بعد فترة صمت دامت طويلا:

    - نسيت أن أسالك. كيف دخلت المقبرة والبوابة مقفلة؟ هل تسلقت السور؟ إذا كنت حقا قد فعلت ذلك، فهذا آخر شيء اتوقعه من رجل كبير السن.

    - لا أدري يا صديقي، لا أدري. انا نفسي لا اعرف كيف حصل هذا. إنه عقاب من الله...إذن أنت حارس هنا يا صديقي؟

    - نعم.

    - الوحيد على كل المقبرة؟

    ضربتهما في تلك اللحظة لفحة ريح هوجاء فتوقفا في مكانهما، وانتظرا حتى تجاوزتهما. عادا ليواصلا سيرهما. أجاب الحارس:

    - نحن ثلاثة. أحد الإثنين الباقيين مريض بالحمى، والآخر نائم، ويستلم واجبه من بعدي.

    - آآآآ...فقط اردت أن أتأكد ياصديقي. يا لها من ريح. تعوي كأنها وحش. آوووووووه...

    - ومن أين أنت قادم؟

    - من مكان بعيد يا صديقي. أنا من فولوغدا. أتنقل من مكان مقدس إلى آخر وأصلي للناس. فليحفظني الله ويشملني برحمته.

    توقف الحارس كي يشعل غليونه. إنحنى خلف ظهر المسافر واشعل بضعة عيدان كبريت. وهج العود الأول أضاء لوهلة على الجانب الأيمن من الطريق شاهدة قبر بيضاء بملاك وصليب أسود. العود الثاني توهج وانطفأ بسبب الريح. ظهر كأنه برق مندفع إلى اليسار فكشف عن جانب لشيء أشبه بسقيفة. عود الكبريت الثالث اضاء جانبي الطريق كاشفا عن شاهدة القبر، الصليب الأسود، وسقيفة لضريح طفل. غمغم الغريب وهو يتنهد بصوت مرتفع:

    - النائمون الغائبون، النائمون الأعزة. كلهم سواء في نومهم، الأغنياء والفقراء، العاقلون والحمقى، الطيبون والأشرار. لا فرق بينهم على الإطلاق، وسيبقون نائمين جميعا حتى النفير الأخير. لتكن جنة الخلد مأواهم يسكنونها آمنين.

    أجابه الحارس معلقا:

    - الآن نحن نتحرك ونتحدث عنهم، ولكن سيأتي اليوم الذي نرقد فيه إلى جانبهم.



    - دون شك سنموت جميعا. ليس هنالك من لا يموت. آآآآ...وافعالنا، وأفكارنا..شريرة، ماكرة ومخادعة...

    - نعم ، لكنك ستموت يوما.

    - دون شك يا صديقي.

    يواصل الحارس تعليقه قائلا:

    - الموت على حاج أسهل منه على أشخاص مثلنا.

    - الحجاج أنواع، هنالك الحقيقيون الذين يخافون الله ويحرصون على عدم معصيته، وهنالك التائهون الضائعون في المقابر يوسوس لهم الشيطان بشتى المعاصي. يستطيع أحدهم الآن أن يفتح رأسك بفأس ويضع حدا لحياتك.

    - لماذا تتحدث معي بهذا الشكل؟

    - اوه..لا شيء، مجرد خيالات. أعتقد أننا وصلنا البوابة، هيا افتحها .....

    للقصة بقية.......
    avatar
    ماهر الفية
    العضو الملكي
    العضو الملكي

    العمر : 35
    الموقع : الـجـنـيـنـة نـــت

    رد: من روائع الأدب العالمي

    مُساهمة  ماهر الفية في الأربعاء ديسمبر 15, 2010 7:29 pm

    أيها الرجل الطيب.

    تحسس الحارس طريقه نحو البوابة و..فتحها، ثم أمسك بالحاج من كم ردائه وقاده إلى الخارج قائلا:

    - هذه هي نهاية المقبرة، والآن عليك أن تسير عبر الحقول المفتوحة حتى تصل الطريق الرئيسي. فقط حاذر من السقوط في الغدير القريب من هنا.

    يتنهد الحاج بعد لحظة صمت ويقول:

    - لا أظن أني سأذهب إلى (متريفسكي ميل). لا أرى سببا لذلك. سأبقى معك بعض الوقت يا سيدي.

    - ولأي سبب تبقى معي؟

    - أوه..أعتقد أن البقاء معك أفضل.

    - إذن، فقد وجدتَ رفقة حسنة. أرى أنك مولع بالمزاح أيها الحاج.

    قال الحاج وهو يكتم ضحكة غليظة:

    - إذا أردت الحق، نعم، أنا كذلك. آآآآ...أيها الرجل الطيب، أراهن أنك ستظل تتذكرني لسنوات طويلة.

    - ولماذا... سأظل أتذكرك؟

    _ لقد أتيتك من حيث لا تدري....فهل أنا حاج؟ لا..أنا لست حاجا على الإطلاق.

    - فماذا تكون إذن؟

    - مجرد رجل ميت. لقد نهضت من تابوتي للتو. أتذكر صانع الأقفال غوبارييف الذي شنق نفسه في أسبوع الكرنفال؟ حسنا، أنا غورباييف.

    - قل شيئا آخر.

    لم يصدقه الحارس، لكن قشعريرة باردة سرت في جسده، واستولى عليه رعب ضاغط، فاندفع متعجلا يتحسس البوابة. لكن الغريب أمسك به من ذراعه وصاح به:

    - هَه..هَه..هَه، أين أنت ذاهب؟ هل من اللياقة أن تتركني لوحدي.

    عندها صرخ الحارس وهو يحاول ان يتحرر من قبضة الغريب:

    - أتركني، أتركني...

    - توقفْ. قلت لك توقفْ..، فلا تقاوم ايها الكلب القذر. إذا أردتَ أن تبقى بين الأحياء، فتوقفْ وامسك لسانك حتى أقول لك. لو كنتُ اريد قتلك، لكنتَ الآن ميتا منذ زمن. هيا..توقفْ أيها الخسيس...

    ومن شدة رعبه، أغلق الحارس عينيه، متكئا على السور. وكانت ساقاه تهتزان بشدة تحته. كان يريد أن يصرخ مستنجدا، لكنه كان يعرف بأن صوته لن يصل أحدا من الأحياء. وكان الغريب واقفا إلى جانبه ممسكا بذراعه.

    مرت ثلاث دقائق دون أن يتكلما. أخيرا خرق الغريب الصمت محدثا نفسه:

    - أحدهم مصاب بالحمى، والآخر نائم، والثالث يرى حُجاجا على الطريق. هل تعرف بأن اللصوص أكثر شطارة منكم. توقفْ.. لاتتحرك..

    ومرت عشر دقائق وهما في صمت تام. فجأة جلبت الريح صوت صفير. عندها قال الغريب تاركا ذراع الحارس:

    - الآن يمكنك ان تذهب. هيا اذهب واشكر ربك لأنك ما تزال حيا.

    أطلق الغريب صفيرا أيضا، وركض عبر البوابة، وسمعه الحارس وهو يقفز فوق الغدير.

    كان ما يزال يرتعد من رعبه، عندما فتح البوابة وانطلق يركض وهو مغمض العينين، وفي داخله يراوده إحساس ينذر بالشر.

    وعند انعطافته إلى الطريق الرئيسي، سمع وقع خطوات مسرعة، وصوتا يسأل:

    - أهذا أنت يا تيموفي؟ أين ميتكا؟

    وظل يركض حتى نهاية الطريق الرئيسي، عندها لاح له ضوء خافت في العتمة. وكان خوفه وإحساسه بوقوع الشر يتعاظم ويكبر وهو يدنو من الضوء. قال محدثا نفسه:

    - يبدو أن الضوء قادم من الكنيسة. ولكن كيف حصل هذا؟ فليحمني الرب ويشملني برحمته.

    وقف الحارس لبرهة أمام النافذة المحطمة، ينظر برعب إلى المذبح. كانت هنالك شمعة صغيرة، يبدو ان اللصوص نسوا أن يطفئوها، كان ضوءها يهتز مع الريح، فينشر بقعا داكنة حمراء فوق الأردية المتناثرة على الارض، والخزانة المقلوبة وآثار الأقدام المنتشرة عند المذبح.

    مر بعض الوقت والحارس متسمر في موضعه، والريح تعوي.. ويختلط عواؤها بخشخشة وصليل الأجراس


    انتهت القصة.
    avatar
    ماهر الفية
    العضو الملكي
    العضو الملكي

    العمر : 35
    الموقع : الـجـنـيـنـة نـــت

    رد: من روائع الأدب العالمي

    مُساهمة  ماهر الفية في الأحد يناير 16, 2011 4:52 pm

    الكبش والآنسة


    كانت سِحنة السيد المحترم الشبعانة اللامعة تنطق بالملل القاتل.. كان قد غادر لتوه مورفيوس* بعد الظهر ولا يدري ماذا يفعل.. لم تكن له رغبة في التفكير أو التثاؤب، أما القراءة فملّها منذ زمن سحيق، وكان الوقت لايزال مبكرا للذهاب إلى المسرح، ومنعه الكسل من الذهاب إلى التزحلق فما العمل؟ بما يسلي نفسه؟
    وأبلغه الخادم يجور:
    - هناك آنسة ما .. جاءت تسأل عنكم . - آنسة؟ ممم تُرى من هي؟ على العموم سيان .. ادعها .
    ودخلت غرفة المكتب بهدو

    ء فتاة وسيمة سوداء الشعر ترتدي ملابس بسيطة، بل وبسيطة جداً، وعندما دخلت حَيّت بانحناءة .. وأخذت تقول بصوت مرتعش:-
    ـ ارجو المعذرة ... أنا.....قالوا لي إن حضرتكم............ إنه من الممكن أن أجدكم في الساعة السادسة فقط.....أنا....أنا.....ابنة مستشار القصر** بالتسيف....
    - تشرفنا تفضلي اجلسي اية خدمة؟ اجلسي لا تخجلي.
    - لقد جئتكم في طلب.......

    مضت الآنسة تقول وهي تجلس في ارتباك وتعبث بأزرارها بيدين مرتعشتين.
    - لقد جئت.. لكي أطلب منكم بطاقة سفر مجانية إلى موطني سمعت أنكم تعطون.. وأنا أريد أن أسافر وليس معي..... أنا لست غنية... بطاقة من بطرسبرج إلى كورسك .
    - ممممم....هكذا....ولماذا تريدين السفر إلى كورسك ؟ ألا يعجبك الحال هنا - لا هنا يعجبني ولكن...أهلي أريد ان أسافر إلى أهلي لم أرهم منذ مدة طويلة كتبوا لي أن أمي مريضة .
    - ممم....وأنت موظفة ام طالبة .
    وأخبرته الآنسة بالمكان الذي تعمل فيه وعند مَن وكَم كانت تتقاضى وبحجم العمل الذي كانت تؤديه.
    ـ هكذا...... كنت تعملين..... لا يمكن القول أن مرتبك كان كبيرا.....لايمكن القول....ليس من الإنسانية إلا أن تصرف لك بطاقة مجانية......مم.......إذن فأنت مسافرة إلى أهلك، حسنا وربما كان لديك في كورسك حبيب هه؟ ..
    حبوب؟
    هىء هىء هىء...
    خطيب؟ آه تخجلين؟

    آه لا داعي هذا شيء جيد .....

    فلتسافري .....

    حان الوقت لكي تتزوجي..
    ومن هو.. موظف .. شيء جيد .. سافري إلى كورسك يقال إنه على بعد مائة فرسخ من كورسك تنتشر رائحة حساء الكرنب وتزحف الصراصير.....
    هىء هىءهىء لا بد أن الحياة مملة في كورسك هذه؟

    لا تخجلي انزعي القبعة.
    - يا يجور هات الشاي.
    لم تكن الأنسة تتوقع مثل هذا الاستقبال الرقيق فشع وجهها بالسرور ووصفت للسيد المحترم كل ما في كورسك من ألوان التسلية.......وأخبرته أن لديها أخا موظفا وعمها مدرس وأبناء أخيها تلاميذ... وقدم يجور الشاي وتناولت الآنسة الكوب بوجل وراحت ترتشفه دون صوت، وهي تخشى أن تصدرعنها مصمصة.. وكان السيد المحترم يتطلع إليها وهو يضحك بسخرية.... لقد بدأ يشعر بالملل.
    ـ هل خطيبك وسيم؟
    وكيف تعرفت عليه؟
    وأجابت الآنسة بخجل على هذين السؤالين واقتربت بمجلسها من السيد المحترم في ثقة وروت له وهي تبتسم كيف تقدم الخطاب هنا في بطرسبرج لخطبتها فرفضتهم ......
    تحدثت طويلاً، وأنهت حديثها بأن أخرجت من جيبها رسالة من والديها وقرأتها على السيد المحترم.... ودقت الساعة الثامنة.
    - والدك خطه لا بأس به ....... بأية زخارف ينمق الحروف ..هىء هىء.. حسنا لقد حان وقت انصرافي ...لابد أن المسرح بدأ عرضه ......وداعا يا ماريا سيميونوفنا.
    فسألت الآنسة وهي تنهض :
    - إذن أستطيع أن آمل.
    - بماذا؟
    - بأن تعطوني بطاقة مجانية......
    - بطاقة؟
    مممممم....... ليس لدي بطاقات يبدو أنك أخطأتِ يا سيدتي..هىءهىءهىءهىء .. أخطأتِ العنوان .. دخلتِ غير المدخل ...بالقرب مني يسكن حقا أحد العاملين في السكك الحديدية، أما أنا فأعمل في البنك .. يا يجور؛ قل لهم أن يعدوا العربة.. وداعا يا آنسة ماريا سيميونوفنا .. سعيد جدا .... سعيد جدا بلقائك .
    ارتدت الآنسة معطفها وخرجت .....وعند مدخل الباب الآخر قيل لها أنه سافر إلى موسكو في السابعة والنصف.


    * إله الأحلام عند الإغريق .

    ** رتبة عسكرية من الدرجة السابعة في روسيا القيصرية .
    avatar
    ماهر الفية
    العضو الملكي
    العضو الملكي

    العمر : 35
    الموقع : الـجـنـيـنـة نـــت

    رد: من روائع الأدب العالمي

    مُساهمة  ماهر الفية في الأحد يناير 16, 2011 4:54 pm

    رواية (( الأصابع المتحركة )) لأجاثا كريستي ...


    ملخص للرواية ...
    بدت قرية (( لايمستوك )) المكان الأمثل لاستجمامه بعد تعرضه لحادث تحطم مروع , أو هكذا ظن جيري بيرتون عندما استأجر بيتاً هناك ليقيم فيه هو وشقيقته جوانا . لكنهما سرعان ما اكتشفا أن هناك الكثير من الأحداث المتلاحقة والخطيرة الكامنة تحت المياه الراكدة . فثمة قلم مسموم يكتب خطابات عادة ما كانت مدعاة للسخرية ومثيرة للاشمئزاز , حتى جاء ذلك اليوم ـ حيث أصاب السهم هدفه وكان الموت هو النتيجة . فمن ذا الذي فعلها في تلك القرية الصغيرة المسالمة ؟


    الفصل الأول
    1

    فك الأطباء الجـص عـنـي أخـيـراً , ونـظـروا إلـي بـشـفـقـة , وحـاولـت الممرضات استدراجي إلى تحريك أطرافي بحذر , وقد ضايقني حديثهن معي كما لو كـنت طفلاً رضيعاً , وقال ماركوس إنني يجب أن أعيش في الريف .
    هواء نظيف , حياة هادئة , الامتناع عن فعل أي شيء ـ هذا هو علاجك . وسوف تعتني بك أختك , فكل ما عليك هو أن تأكل وتنام وتقلد مملكة النباتات قدر الإمكان.
    لم أسأله ما إذا كنت سأستطيع الطيران مرة أخرى أم لا . فهناك أسئلة يخشى المرء من طرحها خوفاً من الإجابة . لذلك , لم أسأله في الأشهر الخمسة الأخيرة ما إذا كان قد حُكم علي أن أعيش طريح الفراش للأبد . كنت خائفاً من عبارات الطمأنينة البراقة التي تفوح منها رائحة النفاق كقول الممرضة لي : " ما هذا السؤال الذي تطرحه ؟ إننا لا نسمح لمرضانا بالتحدث بهذه الطريقة أبداً ! "
    لذا , لم أسأل ـ وسارت الأمور على ما يرام . فلم يكن مقدراً لي أن أظل عاجزاً إلى الأبد . حيث أستطيع تحريك ساقيّ , والوقوف عليهما , وأخيراً أستطيع المشي لبضع خطوات ـ وإن كنت أشعر بأنني طفل مغامر يتعلم المشي , بركبتين مرتعشتين ولفائف من القطن والصوف تلتف حول قدمي ـ حسناً , إن هذا مجرد ضعف سرعان ما سيزول . وقد أجاب الدكتور ماركوس كِنت ـ وهو طبيب قدير ـ عما أطرحه من أسئلة .
    قال : " سوف تتعافى تماماً . لم نكن متأكدين من ذلك حتى الثلاثاء الماضي عندما أجرينا لك ذلك الفحص , ولكن بوسعي إخباري بذلك الآن وأنا مطمئن ـ غير أن ذلك سيستغرق وقتاً طويلاً . ستكون رحلة طويلة , وإن جاز لي القول , فستكون شاقة بعض الشيء . فعندما يتعلق الأمر بشفاء الأعصاب والعضلات , فيجب أن يقوم العقل بمساعدة الجسم . وأي استعجال سوف يتسبب في انتكاسة , وأياً ما كنت تمارسه من قبل , فعليك التوقف عنه الآن , حاول أن تساعد نفسك على الشفاء بسرعة . إذا فعلت أي شيء من هذا القبيل , ستعود إلى دار الرعاية مجدداً . يجب عليك مراعاة البطء والتمهل . فليس جسدك وحده هو الذي يحتاج إلى شفاء , بل إن أعصابك أيضاً أصابها الضعف نتيجة لإخضاعك للأدوية لفترة من الزمن .
    لذا , أنصحك بالعيش في الريف , استأجر منزلاً , واهتم بالسياسة المحلية , وبالفضائح المحلية , وبالقيل والقال في القرية , اهتم بجيرانك بشكل فضولي , وإذا كان لي أن أقترح اقتراحاً , فاذهب إلى جزء من العالم ليس لك فيه أصدقاء . "
    أومأت برأسي قائلاً : " هذا ما فكرت فيه بالفعل . "
    لا أعتقد أن ثمة شيئاً أفضع من زيارات الأصدقاء والأقارب , وإبداء تعاطفهم , والتحدث عن شؤونهم الشخصية .
    سيقولون : " ولكن جيري يبدو رائعاً ـ أليس كذلك ؟ يجب أن أخبرك يا صديقي ـ خمن ما الذي فعله باستر ؟ "
    كلا , لا أريد شيئاً كهذا يحدث معي . إن الكلاب تتمتع بالحكمة , فهي تنزوي بعيداً في أحد الأركان الهادئة وتلعق جراحها , ولا تعود للعالم من حولها حتى تبرأ تماماً مرة أخرى .
    لذا فقد قمت أنا وجوانا ـ بـعـد طـول بحث من خلال وكلاء العقارات في جميع أنحاء بريطانيا ـ باختيار " ليتـل فـيـرز " بقريـة لايـمـسـتـوك , كأحد المنازل التـي يـمـكـن رؤيتها . وخاصة أننا لم نذهب إلى لايمستوك أبداً ولا نعرف أي أحد هناك .
    وعندما رأت جوانا ليتل فيرز قررت أنه المنزل الذي نبحث عنه .
    إنه يقع على نصف ميل تقريباً عن لايمستوك على الطريق المؤدي إلى المستنقعات . وهو منزل أنيق أبيض غير مرتفع , به شرفة على الطراز الفيكتوري , بلون أخضر باهت , ويطل على منحدر مغطى بنبات الخلج .
    ويمتلك البيت أسرة تتكون من سيدات عوانس , من عائلة بارتون , واللاتي لم يبق منهن إلا واحدة فقط , وهي أصغرهن , الآنسة إيميلي بارتون .
    كانت الآنسة إيميلي سيدة ضئيلة الجسم , كبيرة السن وكانت تتناغم مع منزلها بشكل غريب . شرحت لجوانا بصوت ناعم وبه رنة أسف أنها لم تترك المنزل من قبل , ولم تفكر في ذلك أصلاً . قالت : " ولكنك ترين يا عزيزتي , فإن الظروف قد تغيرت هذه الأيام ـ الضرائب . بالطبع , وهناك أسهمي الآمنة , كما كنت أتخيل دائما , والتي قد أوصاني مدير البنك نفسه بشرائها , ولكن يبدو أنها لا تدر عائداً هذه الأيام ـ ما أقوله لا علاقة له بموضوعنا , بالطبع ! صارت الأمور صعبة جداً . إن المرء لا يحب فكرة ترك المرء لبيته للغرباء ـ ولكن يجب فعل شيء ما , وبعدما رأيتكما , فإنني سعيدة بوجودكما هنا ـ إن المنزل بحاجة لوجود شباب . ويجب أن أعترف بأنني أتجنب فكرة وجود رجال هنا ! "
    عند هذه النقطة , كان على جوانا أن تخبرها بحالتي .وكان رد فعل الآنسة إيميلي رقيقاً .
    " أوه يا عزيزتي , لقد فهمت . حادث طيران ؟ إن هؤلاء الشباب يتمتعون بقدر هائل من الشجاعة .ولكن هل سيبقى شقيقك عاجز عملياً ؟ "
    يبدو أن الفكرة هدأت السيدة الرقيقة . فمن الواضح أنني لن أستطيع ممارسة تلك الأنشطة الذكورية التي تخشاها إيميلي بارتون وسألَت باستيحاء عما إذا كنت أدخن .
    أجابتها جوانا : " كالمدخنة . " ثم أوضحت قائلة : " ولكنني أنا أيضاً أدخن . "
    " بالطبع , بالطبع , يا لغبائي . أخشى أنني لم أتغير مع الزمن . فقد كانت شقيقاتي أكبر مني سناً , وقد عاشت أمي العزيزة حتى وصلت التاسعة والسبعون ـ تخيلوا ـ وكانت صارمة إلى أبعد الحدود . نعم , نعم , إن الجميع يدخنون هنا بَيد أنه لا توجد منفضة للتدخين في هذا البيت . "
    قالت جوانا أننا سوف نحضر الكثير منها , وأضافت ابتسامة : " لن نقوم بإطفاء السجائر في الأثاث الفخم .لا شيء يضايقني بقدر رؤية بعض الناس يفعلون ذلك . "
    وهكذا تمت تسوية الأمر واستأجرنا ليتل فيرز لستة أشهر , مع إمكانية مدها لثلاة أشهر أخرى , وأوضحت إيميلي بارتون أنها تشعر بالراحة لأنها ستقيم عند خادمتنا العجوز المخلصة فلورنسا , والتي توجت بعد أن قضت معنا خمسة عشر عاماً . قالت إيميلي : " إنها فتاة لطيفة , وزوجها يعمل في مجال العقارات . إن لديهما منزل جميل في منزل هاي ستريت وحجرتين جميلتين بالطابق العلوي , حيث سأكون أكثر راحة هناك , وستسر فلورنسا بوجودي معها . "
    إذاً , يبدو أن كل شيء يسير على ما يرام , فقد تم توقيع العقد , ووصلنا أنا وجوانا في الوقت المناسب , ورحبت بارتريدج ـ خادمة إيميلي بارتون ـ بفكرة بقائها معنا . كما يتم الاعتناء بشؤونها بفضل " فتاة " كانت تأتي كل صباح والتي كان ذكاؤها محدوداً ولكنها لطيفة .
    كانت بارتريدج سيدة في منتصف العمر نحيلة وقاسية الملامح ـ تجيد الطهي , وعلى الرغم من رفضها تأخير موعد العشاء ( كان من عادة إيميلي أن تتناول عشاء خفيفاً يتكون من بيض مسلوق ) إلا أنها كيفت نفسها على أسلوبنا , حتى أنها اعترفت بأنني يجب أن أستعيد قوتي ...
    بعدما استقر بنا الحال وأقمنا في ليتل فيرز أسبوعاً , جاءت الآنسة إيميلي بارتون وتركت بعض البطاقات , وهكذا فعلت السيدة سيمنجتون . زوجة المحامي , والآنسة جريفيث , أخت الطبيب , والسيد باي " رئيس برايرز إند " .
    لقد ترك ذلك انطباعاً جميلاً في نفس جوانا .
    قالت جوانا بصوت يعبر عن انبهارها : " لك أكن أن هؤلاء الناس مهووسون فعلاً ـ بالبطاقات . "
    قلت : " هذا يا عزيزتي لأنك لا تعرفين شيئاً عن الريف . "
    " هراء . لقد قضيت من عطلات نهاية الأسبوع في الريف . "
    إنني أكبر من جوانا بخمس سنوات , وأتذكر ذلك البيت المطلي باللون الأبيض الباهت , وغير المتهالك والمنظم الذي كنا نعيش فيه أيام طفولتي , حيث كانت تمتد الحقول حتى النهر . وبوسعي تذكر قيامي بالزحف تحت أشجار التوت دون أن يراني البستاني , ورائحة التراب الأبيض في الإسطبل , وقطة برتقالية تعبره , وسماع صوت حوافر الحصان وهي تضرب الأرض في الإسطبل .
    ولكن عندما بلغت السابعة وكانت جوانا في الثانية, ذهبنا للعيش في لندن مع عمتي, ومنذ ذلك الحين ونحن نقضي جميع العطلات و الأعياد في دور السينما والمسرح, حيث كنا نخرج للتنزه في حديقة كنجستون جاردنز ونركب القوارب , ثم مؤخراً أصبحنا نمارس رياضة التزلج . وفي شهر أغسطس كنا نحجز غرفة في أحد الفنادق المطلة على البحر .
    وبينما كنت أشرد بذهني هكذا , قلت لجوانا متأملاً , وبإحساس من وخر الضمير وبعد أن أدركت كم أصبحت عاجزاً وأنانياً في نفس الوقت .
    " أنا آسف , سيكون ذلك فضيعاً بالنسبة لك . سوف تفتقدين كل شيء . "
    قلت ذلك لأن جوانا جميلة جداً ومليئة بالحيوية , وتحب الرقص والحفلات وقيادة السيارات بسرعة جنونية .
    ضحكت جوانا وقالت أنها لا تبالي بذلك إطلاقاً .
    " في الحقيقة , أنا سعيدة بالابتعاد عن ذلك كله . فقد مللت من الزحام , وعلى الرغم من أنك لن تبدي تعاطفك , فقد تأثرت كثيراً لفراق باول , وسيستغرق الأمر مني وقتاً طويلاً حتى أتناساه يا جيري . "
    كنت أشك في هذا , فقصص الحب الخاصة بجوانا دائماً ما تسير على هذا النحو . فهي تفتتن بشاب ضعيف الشخصية , وتعتقد أنه عبقري لا يستطيع الناس فهمه , وتنصت إلى شكواه التي لا تنتهي وتفعل أي شيء لتحوز تقديره , وعندما يجحد مجهوداتها , فإنها تتأثر بشدة وتقول أن قلبها قد جرح ـ حتى يأتي شاب آخر , وعادة ما يأتي بعد ثلاثة أسابيع !
    لذا لم آخذ مسألة جرح قلب جوانا على محمل الجد . ولكن بدا لي أن العيش في الريف لعبة جديدة لشقيقتي الجذابة .
    قالت : " على كل حال , فإن مظهري جيد , أليس كذلك ؟ "
    تفحصتها بنظرة كلها نقد ولم أستطع الاتفاق معها .
    كانت جوانا ترتدي ملابس رياضية , كانت ترتدي تنورة قصيرة وضيقة , وعلى نصفها العلوي كانت ترتدي قميصاً قصيراً يدعو للسخرية . كانت تلبس جوربين من الحرير الشفاف , وحذاء لا غبار عليه , وكله يعد من علامات الموضة .
    قلت : " كلا , إن مظهرك ليس مناسباً على الإطلاق , بل وبه الكثير من الأخطاء , ينبغي أن ترتدي تنورة ذات لون أخضر أو بني باهت , وحري بك ارتداك سترة من الكشمير تناسبها , وربما معطف صوفي , ويمكنك أن تلبسي قبعة من اللباد وجوربين من قماش سميك وحذاء قديم . فقط , عندئذ , يمكنك السير عبر شارع هاي ستريت بلايمستوك دون أن تبدي شاذة عن الآخرين كما أنت الآن.وبالمناسبة , فإن وجهك كله أخطاء أيضاً . "
    " ما الخطأ فيه ؟ لقد وضعت مساحيق من الدرجة الثانية تناسب الريف . "
    " نعم , إذا أردت العيش في لايمستوك , فلا تضعي إلا القليل من المساحيق حتى لا تلفتي النظر إلى أنفك , وربما يجب عليك وضع القليل من أحمر الشفاه ـ مع عدم توخي الدقة الشديدة ـ وعليك وضع كل رموشك تقريباً بدلاً من ربعها . "
    صاحت جوانا وبدت أنها وجدت المزيد من ضروب التسلية .
    قالت : " أتعتقد أنهم سيضنونني فظيعة ؟ "
    قلت : " كلا , بل شاذة . "
    استأنفت جوانا قراءتها للبطاقات التي تركها زوارنا . زوجة رجل الدين هي الوحيدة التي أسعدها , أو ربما ساءها الحظ بأن تستضيف جوانا في منزلها .
    تمتمت جوانا قائلة : " تبدو الأسر هنا سعيدة , أليس كذلك ؟ فهذه زوجة محامٍ , وتلك أخت طبيب ... الخ " ثم أضافت بحماس : " أعتقد أن هذا المكان لطيف يا جيري ! عالم قديم جميل جداً . لا يمكنك التفكير بأن شيئاً شريراً سيحدث هنا , أليس كذلك ؟ "
    وعلى الرغم من أنني أعرف أن ما تقوله محض هراء , إلا أنني وافقتها الرأي . ففي مكان مثل لايمستوك لا يمكن أن يحدث شيء شرير , والغريب أننا تلقينا أولى خطاباتنا بعد أسبوع واحد فقط .
    2
    أعرف أنني بدأت بشكل سيء , فلم أعط وصفاً لقرية لايمستوك , وبدون فهم أوصاف لايمستوك لا يمكن فهم قصتي .
    بادئ ذي بدء , فإن لايمستوك لها جذور ضاربة في الماضي . ففي أيام الغزو النورماندي , كانت لايمستوك على قدر كبير من الأهمية , وتنبع أهميتها من كونها مركزاً دينياً حينذاك . فقد كان في لايمستوك دير للرهبان وتعاقب عليه الكثير من الرهبان الطموحين وذي النفوذ . وكان اللوردات والبارونات الذين يعيشون في الريف المحيط به يتركون جزءاً من أراضيهم تحت تصرف الدير . وازداد ثراء وأهمية الدير واكتسب نفوذاً لقرون عدة . بيد أنه بمرور الزمن قام هنري الثامن بإلغاء كل تلك الامتيازات ولحق بالدير ما لحق بأقرانه . ومنذ ذلك الحين هيمنت قلعة البلدة . كانت لا تزال مهمة وآلت لها الحقوق والميزات والثروات .
    وثم , في حوالي القرن الثامن عشر , جاء المد التقدمي ليطيح بنفوذ لايمستوك ويتركها في غياهب التخلف . حيث انهارت القلعة , ولم يتم إنشاء شوارع رئيسية ولا سكك حديدية بالقرب من لايمستوك , التي تحولت إلى سوق محلي غير ذي أهمية تمتد بها المستنقعات والمزارع وتحيط بها الحقول الهادئة .
    كان يقام بها سوق مرة كل أسبوع , وفي ذلك اليوم يصادف المرء قطعان الماشية في الأزقة والطرقات . وكا يقام بها سباق للخيل مرتين في السنة لا يتبارى فيه إلا الخيول الضعيفة .
    وكان بها شارع رئيسي خلاب , تصطف على جانبيه المنازل التي تقف بشموخ , والتي كانت تبدو غريبة بعض الشيء بنوافذها المتواجدة في الطابق الأرضي والتي كان دائماً ما يوجد عليها الفطائر أو الفاكهة أو الخضروات . وكان بالشارع أيضاً متجر ضخم لتجارة الألبسة والجوخ يمتد على نحو مستق مع الشارع , وهناك أيضاً تجد متجراً هائلاً للحدادة , ومكتباً للبريد له أهمية في هذا المكان .
    وكذلك هناك في ذات الشارع مجموعة من المتاجر والمحال المتنوعة , فهناك متجران يتنافسان لبيع اللحوم , وكان بالشارع لافتة لعيادة طبيب ومؤسسة قانونية يديرها السيدان جالبرث والسيد سيمنجتون , وكان بالشارع أيضاً إحدى دور العبادة والتي يرجع تاريخها إلى عام 1420 م , ولا يزال يفوح منها رائحة العصر الساكسوني . وهناك أيضاً مدرسة أنشئت حديثاً وحانتين .
    هذه هي لايمستوك , وبدافع إيميلي بارتون , حضر جميع من في البلدة لكي يتعرفوا علينا , ومن أجل هذا اضطرت جوانا لأن تبتاع زوجاً من القفازات وقلنسوة مخملية , بدلاً من ملابسها التي تفتقر إلى الذوق , حتى تتمكن من رد زيارتهم .
    بالنسبة لنا كان كل شيئاً جديداً ومسلياً , فنحن لم نذهب إلى هناك للإقامة الدائمة . لقد كانت بالنسبة لنا شيئاً مؤقتاً . وقد استعددت لإطاعة تعليمات طبيبي والاتهمام بجيراني .
    لقد وجدت أنا وأختي جوانا الأمر ممتعاً للغاية .
    أعتقد أنني تذكرت تعليمات ماركوس كِنت بالاستمتاع بالفضائح المحلية . بالقطع كنت أشك في كيفية معرفتي بهذه الفضائح .
    والشيء الغريب أن مجيء ذلك الخطاب كان ممتعاً ومسلياً لنا أكثر من أي شيء .
    أذكر أنه وصل بينما نحن نتناول الإفطار . قلبته في يدي , بتلك الطريقة الكسولة التي يتبعها المرء عندما يمر الوقت ببطء ويجب الغوص في كل حدث حتى نهايته . لقد كان مرسلاً من داخل البلدة وقد كتب عنوانه على آلة كاتبة .
    فتحته قبل الخطابين الآخرين اللذان يحملان طوابع بريد لندن , حيث إن أحدهم كان يحوي فاتورة والآخر كان من أحد أبناء عمومتي المضجرين .
    وبداخله كانت هناك كلمات و حروف مطبوعة , وقد لصقت على ورقة بيضاء . أخذت أحدق لدقيقة أو دقيقتين إلى الكلمات دون أن أستوعبها , ثم شهقت .
    نظرت إلي جوانا , التي كانت تطالع بعض الفواتير مقطبة جبينها .
    وقالت : " مرحباً , ما هذا ؟ تبدو مروعاً . "
    لقد عبر الخطاب , الذي يستخدم مصطلحات بذيئة , عن رأي الكاتب بأنني أنا وجوانا لسنا أخوين .
    قلت لجوانا : " إنه خطاب قذر من مجهول . "
    كنت لا أزال أعاني من آثار الصدمة . فلم أتوقع مثل ذلك الشيء في منطقة هادئة مثل لايمستوك .
    وفجأة , أبدت جوانا اهتمامها , وقالت : " حقاً ؟ ماذا يقول ؟ "
    كنت قد قرأت في الروايات أن الخطابات البذيئة والمثيرة للاشمئزاز لا ينبغي أن تطلع عليها النساء , ما أمكن ذلك . حيث يجب تجنيب المرأة الصدمة التي قد يتعرض لها الجهاز العصبي الحساس .
    ويؤسفني القول إنه لم يتراء لي أن أُطلع جوانا على الخطاب , لذا سلمته لها فوراً .
    قالت : " يا له من خطاب قذر ! لقد سمعت كثيراً عن الخطابات المجهولة , لكنني لم يسبق لي أن رأيت أحدها . هل هي دائماً هكذا ؟ "
    قلت : " لا أستطيع الجزم بذلك . فهذه أول مرة أشاهد فيها خطاباً مثل هذا . "
    شرعت جوانا في الضحك .
    " لابد أنك كنت محقاً فيما يخص مساحيق التجميل التي كنت أضعها يا جيري . أعتقد أنهم يحسبونني فتاة هاربة من أهلها . "
    قلت : " إضافة إلى حقيقة أن ابانا كان رجلاً طويلاً ذا فكين طويلين أسودين وأمنا كانت امرأة شقراء الشعر زرقاء العينين قصيرة القامة , وقد ورثت أنا صفات أبي , أما أنت فقد ورثت صفات أمي . "
    أومأت جوانا برأسها مفكرة .
    " نعم , نحن لسنا متشابهين إلى حد ما , ولن يظن المرء أننا أخوان . "
    قلت : " لابد أن أحدهم لاحظ ذلك . "
    قالت جوانا إنها تعتقد أن الأمر ممتع .
    أمسكت الخطاب من إحدى زواياه وتركته يتدلى , ثم سألتني عما ينبغي فعله به .
    قلت: " أعتقد أن الإجراء الصحيح هو إلقاءه في النار مع إطلاق صيحة اشمئزاز ."
    نفذت ما قلته عملياً , وصفقت جوانا بيديها .
    أضافت : " لقد فعلتها بشكل جميل , كان ينبغي أن تكون ممثلاً . من حسن حظنا أن النار متقدة , أليس كذلك ؟ "
    وافقتها , قائلاً : " عندئذ كانت سلة المهملات ستصبح حلاً أقل إثارة . كان بوسعي بالطبع أن أشعله بعود ثقاب وأستمتع به وهو يحترق ببطء . "
    قالت جوانا : " إن الأشياء لا تحترق عندما تريدها أن تحترق , بل إنها تسلم من النيران , وربما كان عليك إشعال عود ثقاب بعد آخر . "
    نهضت واتجهت نحو النافذة , وعندما وصلت إلى هناك التفتت فجأة , وقالت : " إنني أتساءل , من الذي قام بكتابته ؟ "
    قلت : " لن نعرف أبداً على الأرجح . "
    " نعم ـ لا أعتقد أننا قد نتمكن من ذلك . " صمتت لبرهة , ثم قالت : " يراودني إحساس أحياناً بأن الأمر ليس ممتعاً . أتعلم ؟ لقد حسبت ـ حسبت أنهم أحبونا هنا ."
    أظن ذلك ؟ أوه ـ إنه عمل شرير ! "
    عندما خرجت لتستمتع بالشمس المشرقة , فكرت بيني وبين نفسي أثناء تدخيني لسيجارتي بأنها كانت محقة تماماً . إنه عمل شرير . لقد استاء أحدهم من مجيئنا إلى هنا , وكان مستاءً من جمال جوانا الخاطف , لقد أراد إيذاءنا . ربما كانت مقابلة مثل هذا الأمر بالضحك أفضل طريقة ـ ولكن في أعماق نفوسنا لم يكن ممتعاً أبداً...
    جاء الدكتور جريفيث هذا الصباح . لقد اتفقت معه على إجراء فحص أسبوعي . وقد أحببت أوين جريفيث , لقد كان ذا بشرة سمراء , ضئيل الجسم . يتحرك في رشاقة وخفة , ويداه ماهرتان في الفحص , وكان يتلعثم في حديثه قليلاً , وكان خجولاً إلى حد كبير .
    أشار إلى تقدمي في العلاج كي يشجعني , ثم قال : " إنك تشعر بالتحسن , أليس كذلك ؟ يبدو أنك متعكر المزاج هذا الصباح , أم هذا وهم مني ؟ "
    قلت : " فعلاً , لقد تسلمت هذا الصباح خطاباً بذيئاً من مجهول , وقد شعرت ببعض الضيق والمرارة بعد قراءته . "
    ألقى حقيبته على الأرض , واعترى وجهه النحيف الأسمر شعور بالإثارة .
    " هل تعني أنك تسلمت واحداً منها ؟ "
    شعرت بالاهتمام والإثارة . فقلت : " فإنه أمر شائع إذاً ؟ "
    " منذ فترة من الوقت . "
    قلت: " أوه , فهمت . لقد حسبت أن وجودنا في هذا المكان أمر غير مرغوب فيه ."
    " كلا , كلا , الأمر لا علاقة له بذلك . إنه مجرد ـ " توقف عن الكلام ثم سألني : " ماذا كان محتوى الخطاب ؟ على الأقل ـ " احمر وجهه وشعر بالحرج : " ربما لم يكن لي أن أسأل مثل هذا السؤال . "
    قلت : " سأخبرك بكل سرور , بقد قال إن الفتاة التي أحضرتها معي ليست أختي ـ ويمكنني القول بأن هذا ملخصاً لمحتوى الخطاب بعد تنقيحه من البذاءات . "
    احمر وجهه غضباً. وقال : " اللعنة , لعل أختك ـ إنها ليست مستاءة, أليس كذلك ؟"
    قلت : " إن جوانا تبدو كملاك طاهر , ولكنها فتاة عصرية وصلبة جداً . لقد وجدِت أن الأمر مسلٍ للغاية . فهي لم تصادف مثل هذه الأشياء من قبل . "
    قال جريفيث بحرارة : " أتمنى لو لم تصادفها في الحقيقة . "
    قلت بحزم : " على أية حال , فإن هذا هو الأسلوب الأنسب لمواجهة مثل هذه السخافات على ما أعتقد . "
    قال أوين جريفيث : " نعم , لكن ــ "
    توقف عن الحديث , فسارعت قائلاً : " ولكن ماذا , ماذا تقصد ؟ "
    قال : " المشكلة أن مثل هذه الأفعال إذا ما بدأت, فإنها تتفشى وتنتشر بشكل كبير ."
    " علي أن أتوقع هذا . "
    " إنها حالة مرضية بالطبع . "
    أومأت برأسي ثم سألته : " ولكن هل من ثمة فكرة عمن يكون وراء إرسال مثل هذه الخطابات ؟ "
    قال : " ليتني كنت أعرف . أتدري إن الخطابات المجهولة نوعان ؟ إما أنها خاصة, أي إنها موجهة لشخص بعينه , أو مجموعة من الأشخاص , أي تستطيع أن تقول إن هناك دافعاً لذلك , حيث إن الشخص الذي يرسل الرسائل يحمل ضغينة ( أو يعتقد أنه كذلك ) ضد أحد الأشخاص , ثم يختار أسلوباً قذراً ومنحطاً ليعبر عن كراهيته , إنه أسلوب دنيء , ويثير الاشمئزاز ولكنه لا ينم عن جنون صاحبه , وفي تلك الحالة يكون من السهل معرفة ما وراء الخطاب المرسل ــ خادمة تم طردها ــ امرأة غيورة ــ وهكذا . ولكن إذا كانت عامة وليست خاصة , فإنها تمسي أكثر خطورة . حيث ترسل الخطابات دونما تفرقة وبطريقة عشوائية , وتؤدي الغرض بالتنفيس عن إحباط ما في ذهن الكاتب . وكما قلت فإنه أمر مرضي . وتزداد إصابة الشخص بالجنون . وفي النهاية تتعقب الشخص محل الشبهة ــ غالباً ما يكون شخصاً مكروهاً من الجميع , وهذا كل ما في الأمر . لقد حدث شيء مثل هذا على الجانب الآخر من المقاطعة في العام الماضي ــ وتبين أن رئيسة قسم القبعات بمؤسسة كبيرة للملابس هي من تقف وراء ذلك . كانت امرأة رقيقة جداً ــ عملت هناك لسنوات . أذكر أن ذلك حصل في آخر سنة لي هناك عندما كنت أقضي فترة التكليف ــ ولكن تبين أن ضغينة شخصية هي السبب . وكما أقول فإنني رأيت شيئاً من هذا القبيل , وبصراحة فإنه يخيفني ! "
    سألته : " هل يحدث ذلك منذ فترة طويلة ؟ "
    " لا أعتقد , وإن كان يصعب الجزم بذلك , بالطبع , لأن من يتلقون هذه الرسائل لا يعلنون عنها , وإنما يكتفون بإحراقها ... " توقف للحظة . ثم أكمل : " لقد تلقيت واحدة منها , كما أن سيمنجتون , المحامي , تلقى واحدة , وكذلك اثنان من مرضاي المساكين أخبراني بتلقيهما رسائل من هذا النوع . "
    " كلها من نفس العينة ؟ "
    " أوه , نعم , كلها تعزف على وتر الجنس . هذه هي الخاصية الرئيسية المشتركة بينها . " ثم ابتسم وأضاف : " لقد اتهم سيمنجتون بإقامة علاقة غير شرعية مع كاتبته ـ السيدة جنش المسكينة , التي تبلغ من العمر بضعة وأربعين عاماً تقريباً , وترتدي نظارة سميكة وأسنانها تشبه أسنان الأرنب . ولقد أخذ سيمنجتون الرسالة وتوجه بها إلى الشرطة . أما الرسائل التي تلقيتها أنا , فإنها تتهمني بانتهاك آداب المهنة مع مرضاي من النساء . لقد كتبت بأسلوب طفولي وسخيف , ولكنها سامة للغاية . " تغير وجهه , وبدت عليه أمارات الحزن وهو يقول : " ولكن مع ذلك أشعرب بالخوف , فهذه الأشياء يمكن أن تكون في غاية الخطورة , كما تعلم . "
    " أعتقد ذلك . "
    " لعلك ترى أنه على الرغم من تفاهة وسخافة هذه النكات , فإن إحدى هذه الرسائل ستصيب الهدف عاجلاً أو آجلاً . والله وحده يعلم ما سيحصل حينذاك ! إنني خائف أيضاً من تأثيرها على أصحاب العقول الضعيفة الشكاكة الخالية من الثقافة والعلم . فإذا ما رأى أحدهم شيئاً مكتوباً , فسوف يعتقد بصحته , وعندئذ قد تظهر كل أنواع العقد . "
    قلت متأملاً : " إنها تنم عن جهل كاتبها , إذ يبدو لي أنه شخص أمي . "
    قال أوين : " أهي كذلك فعلاً ؟ " ثم خرج ...
    بينما كنت أفكر فيها فيما بعد وجدت أن عبارة " أهي كذلك فعلاً ؟ " محيرة لي ...
    يتبع باذن الله.........
    avatar
    ماهر الفية
    العضو الملكي
    العضو الملكي

    العمر : 35
    الموقع : الـجـنـيـنـة نـــت

    رد: من روائع الأدب العالمي

    مُساهمة  ماهر الفية في الأربعاء يناير 26, 2011 3:43 pm

    الفصل الثاني

    1


    لن أدعي أن الرسالة التي وصلتنا خالية من التوقيع لم تترك طعماً مراً في الفم .فهذا هو ما حدث بالفعل ولكن في الوقت نفسه نسيت أمرها سريعاً , ولم آخذها حتى هذه النقطة على محمل الجد . وأعتقد أنني أتذكر ما كنت أقوله بأن هذه الأشياء تحدث كثيراً في القرى النائية . لابد أن امرأة مخبولة تريد تسلية نفسها هي التي تقف وراءها . على أية حال , ما دامت الرسائل هذه مكتوبة بأسلوب طفولي كمثل التي تلقيناها , فإنه لا ضرر منها على الإطلاق .
    كانت الحادثة التالية ـ إذا جاز لي القول ـ بعد أسبوع , عندما أخبرتني بارتريدج وهي تزم على شفتيها أن بياترس , الخادمة اليومية , لن تأتي اليوم .
    قالت بارتريدج : " أحسب يا سيدي أن الفتاة مستاءة . "
    لم أكن متأكداً تماماً مما تعنيه بارتريدج بكلامها هذا , ولكني خمنت ( خطأ ) أن بياترس تعاني من بعض المتاعب في معدتها ولا تستطيع بارتريدج الإشارة إلى ذلك بشكل مباشر , لذا عبرت لها عن أسفي وتمنيت لها الشفاء العاجل .
    قالت بارتريدج : " إن صحة الفتاة على ما يرام يا سيدي , إن مشاعرها هي المعتلة . "
    قلت متشككاً : " أوه . "
    واصلت بارتريدج قائلة : " بسبب رسالة تلقتها . وأحسب أنها تعرض بها . "
    كانت نظرة الاشمئزاز في عيني بارتريدج , إضافة إلى تشديدها على كلمة
    ( تعرض ) قد جعلني أدرك أن ذلك التعريض له علاقة بي . وحيث إنني ما كنت لأميز بياترس بصعوبة لو قابلتها في البلدة , فإنني لم أدرك مغزى تشديدها على هذه الكلمة ـ فقد شعرت بأنه استياء غير مبرر . كما أن رجلاً يمشي على عكازين ليس من شأنه أن يفتن بنات القرية . لذا قلت بتوتر : " يا لهذه السخافات ! "
    قالت بارتريدج : " هذا ما قلته بالحرف لأمها يا سيدي , فقد قالت لها : " لم ولن يحدث شيء من هذا القبيل في هذا المنزل ما دمت أنا المسؤولة عنه . " وبالنسبة لبياترس , فقد قلت لها : " إن الفتيات مختلفات هذا الزمان ولا أعرف شيئاً عما يحدث بالخارج . " , ولكن الحقيقة يا سيدي أن صديق بياترس الذي يعمل في المرآب قد تلقى رسائل شريرة أيضاً وهو لا يتصرف بحكمة على الإطلاق . "
    قلت بغضب : " لم أسمع أبداً شيئاً بهذه الوقاحة . "
    قالت : " في رأيي أن نتخلص من هذه الفتاة , فما كانت لتستاء هكذا بشدة , وتسلك هذا السلوك. لو لم يكن هناك شيء تخشى افتضاحه.لا دخان بدون نار.هذا قولي . "
    لم يكن لدي فكرة عما ستسببه هذه الكلمة لي من متاعب .

    2
    اعتزمت هذا الصباح ـ على سبيل المغامرة ـ التجول عبر شوارع القرية . ( كنت أنا وجوانا نطلق عليها دائماً اسم القرية , وان كان اسما خاطئ علمياً , وكان من شأن سكان لايمستوك أن ينزعجوا إذا سمعونا نقول هذا ) .
    كانت الشمس ساطعة , والهواء رائع تتخلله نسمات الربيع الحلوة . اتكأت على عكازي وبدأت السير رافضاً بحزم مراقة جوانا لي .
    قلت : " كلا , لن أصطحب حارساً يسير الهويني بجواري ويمطرني بعبارات التشجيع , وتذكري أن الرجل الأسرع هو من يسير بمفرده . كما أن لدي الكثير من الأعمال التي أريد قضاءها , فسوف أذهب إلى جالبريث وسيمنجتون , وأوقع عقد تحويل الأسهم , وسوف أذهب إلى الخباز وأشكو له من رغيف الزبيب , ثم سأعيد ذلك الكتاب الذي استعرته . ويجب أن أذهب إلى البنك أيضاً . دعيني بمفردي يا جوانا , فهذا الصباح قصير جداً . "
    اتفقنا على أن تصطحبني جوانا بالسيارة وتعود لتعيدني وقت الغداء .
    قالت جوانا : " إن هذا سيتيح لك الفرصة لقضاء بعض الوقت في لايمستوك . "
    قلت : " لا أشك في أنه كان ينبغي علي رؤية كل شخص ذي شأن منذ مجيئنا . "
    كان الصباح في الشارع الرئيسي يعتبر مكاناً لتلاقي المولعين بالتسوق وتبادل الأخبار . وعلى أية حال , لم أسر دون صحبة , فما كدت أسير لمائتي ياردة حتى سمعت صوت جرس دراجة يرن خلفي , ثم صوت احتكاك , ثم ميجان هنتر وهي تسقط عند قدمي .
    قالت : " مرحباً . " وهي تلهث بينما تنهض من على الأرض وتنفض عن نفسها التراب . لقد كنت أحب ميجان , وكنت أشعر بالأسف لما أصابها . كانت ابنة السيدة سيمنجتون من زوجها السابق . لم يتحدث أحد كثيراً عن السيد هنتر , وعلمت أنه كان يعتبر من الأفضل تناسيه . ويقال إنه كان يعامل السيدة سيمنجتون بشكل بالغ السوء . وقد طلقها بعد عام أو عامين من زواجهما . لقد كانت لديها مواردها المالية الخاصة وسكنت لايمستوك لكي تنسى , وفي النهاية تزوجت مـن الأعـزب الـوحـيـد المؤهل في القرية , ريتشارد سيمنجتون . وقد أثمر الزواج الثاني عن ولدين , وقد كرس والدهما نفسيهما لرعايتهما , وأعتقد بأن ميجان تشعر بأنها شاذة في هذه الأسرة , فهي لم تكن تشبه أمها , والتي كانت ضئيلة الحجم , وذات جمال باهت وتتحدث بصوت ضعيف تكسوه نبرة كآبة بسبب متاعب الخدم وصحتها المعتلة .

    أما ميجان فكانت فتاة طويلة القامة , خجولة بعض الشيء . وعلى الرغم من أنها فعلية في العشرين من عمرها , فقد بدت مثل فتاة في السادسة عشر من عمرها لا تزال في المدرسة . كان شعرها البني غير مصفف أبداً , وعيناها ذات أخضر بندقي , وكان وجهها نحيفاً بارز العظام , وابتسامتها خلابة بشكل غير متوقع . وكانت ملابسها قذرة وغير جذابة , وتلبس عادة جوربين بهما ثقوب .
    لقد بدت , كما تراءى لي هذا الصباح , أشبه بحصان أكثر منها إنسان . في الواقع , كان بإمكانها أن تكون حصاناً جميلاً جداً ببعض التهذيب .
    وكعادتها كانت تتكلم باندفاع . قالت : " لقد كنت متوجهة إلى المزرعة ـ مزرعة لاشر كما تعلم ـ لأرى ما إذا كان لديهم بيض بط . فلديهم عدد كبير من الخراف الصغيرة الجميلة . إنها لطيفة ! هل تحب الخراف ؟ أنا أحبها , حتى إنني أحب رائحتها . "
    قلت : " إن الخراف التي تتم رعايتها رعاية جيدة لا تكون رائحتها سيئة . "
    " أليس كذلك ؟ إنها في كل مكان هنا . هل أنت ذاهب للبلدة ؟ لقد رأيتك وحدك , لذا فكرت في التوقف والسير معك , غير أنني توقفت فجأة . "
    قلت " لقد مزقت جواربك . "
    نظرت ميجان بحزن إلى رجلها اليمنى . ثم قالت : " نعم , ولكن كان به ثقوب بالفعل , لذا فإنه لا يهم كثيراً , أليس كذلك ؟ "
    " هل أصلحت جواربك من قبل , ميجان ؟ "
    " أحياناً , عندما تلاحظها أمي , ولكنها لا تهتم كثيراً بما أفعله ـ وهذا من حسن حظي , أليس كذلك ؟ "
    قلت : " يبدو أنكي لم تدركي أنك كبرت . "
    " أتعني أنني يجب أن أشبه الدمية مثل أختك ؟ "
    شعرت بالاستياء لوصف جوانا بهذا الشكل ... قلت : " إنها تبدو نظيفة , وأنيقة , ورؤيتها محببة للعين . "
    قالت ميجان : " إنها جميلة جداً . إنها لا تشبهك كثيراً , أليس كذلك ؟ ما السبب في عدم تشابهكما ؟ "
    " لا يشترط أن يكون الإخوة متشابهين دائماً . "
    " نعم , بالطبع , فأنا لا أشبه كولين وبريان , كما أن بريان لا يشبه كولين . " توقفت للحظة ثم قالت : " إنه لأمر عجيب , أليس كذلك ؟ "
    " ما هو ؟ "
    أجابت ميجان باختصار قائلة : " الأسر . "
    قلت متأملاً : " أعتقد ذلك . "
    تساءلت عما يدور في ذهنها . سرنا في صمت لدقيقة أو دقيقتين , ثم قالت ميجان بخجل : " أنت طيار , أليس كذلك ؟ "
    " بلى . "
    " وهذا هو سبب إصابتك ؟ "
    " نعم , لقد تحطمت طائرتي . "
    قالت : " لا أحد يمارس الطيران هنا . "
    قلت : " كلا , لا أعتقد ذلك . هل تحبين الطيران يا ميجان ؟ "
    بدت وكأنها فوجئت , فقالت : " أنا ؟ يا إلهي ! كلا , سأصاب بالدوار , إنني أصاب بالدوار حتى عند ركوب القطار . "
    توقفت لبرهة , ثم سألت بطريقة مباشرة كالأطفال : " هل ستستطيع الطيران مرة أخرى , أم ستظل عاجزاً للأبد ؟ "
    " يقول طبيبي أنني سوف أتعافى وأسترد صحتي . "
    " نعم , ولكن هل هو من نوعية الرجال الكذابين ؟ "
    أجبت : " لا أعتقد ذلك . في الحقيقة , أنا متأكد من ذلك تماماً , إنني أثق فيه . "
    " إذا كان الأمر كذلك فلا بأس , ولكن الكثير من الناس يكذبون . "
    تقبلت هذه العبارة التي لا يمكن إنكارها بصمت .
    قالت ميجان بطريقة حكيمة : " إنني سعيدة , كنت أخشى أن تكون غاضباً بسبب عجزك ـ ولكن إن كان ذلك طبيعياً , إلا إنه مختلف . "
    قلت ببرود : إنني لست غاضباً . "
    أنت سريع الانفعال إذاً ؟ "
    "أنا سريع الانفعال لأنني أتعجل لاشفاء مرة أخرى ـ وهذه الأشياء لا يمكن استعجالها."
    " إذن , لماذا أنت قلق ؟ "
    بدأت أضحك . ثم قلت : " عزيزتي , ألم تتعجلي حدوث شيء أبداً ؟ "
    فكرت ميجان في السؤال ثم قالت : " كلا , وما الذي يدعوني لذلك ؟ ليس هناك شيء يدعوني للعجلة . فلا شيء يحدث أبداً . "
    صدمت بنبرة اليأس في كلامها , فقلت بلطف : " ماذا تفعلين هنا ؟ " هوت كتفاها .
    قالت : " ما الذي يمكن فعله هنا ؟ "
    " أليس لديك أية هوايات ؟ أتمارسين ألعاباً ؟ ألديك أصدقاء هنا ؟ "
    " إنني غبية في الألعاب , ولا أحبها كثيراً , ولا يوجد الكثير من الفتيات هنا , الفتيات الموجودات لا أحبهن . فهن يحسبنني فظيعة . "
    " هراء ! لماذا يعتقدون ذلك ؟ "
    هزت ميجان رأسها . فقلت : " ألم تذهبي إلى المدرسة إطلاقاً ؟ "
    " بلا , ولقد عدت منها قبل عام . "
    " هل استمتعت بالمدرسة ؟ "
    لم تكن سيئة , وإن كانوا قد علموني الأشياء بطريقة سخيفة للغاية . "
    " ماذا تعنين ؟ "
    " حسناً ـ مجرد قشور من هنا وهناك . ينحتون ويغيرون من شيء لآخر . لقد كانت مدرسة رخيصة , كما تعلم , ولم يكن المدرسون على درجة عالية من الكفاءة , فلم يكن بوسعهم الإجابة عن الأسئلة بشكل لائق . "
    قلت : " القليل من المدرسين من يستطيع ذلك . "
    " لِم لا ؟ من المفترض أن يكونوا أكفاء . "
    وافقتها . فقالت : " بالطبع , أنا غبية جداً . ومثل هذه الأشياء تبدو لي متعفنة . التاريخ مثلاً , لماذا يختلف باختلاف الكتب ؟ "
    قلت : " لأن كتابها مختلفون . "
    واصلت ميجان حديثها قائلة : " والقواعد اللغوية , وموضوعات الإنشاء التافهة , وكل هذه السخافات التي كتبها شيلي متغزلاً في القبرات , ووردس ورث الذي أذهب شعره على نباتات النرجس البري . وشكسبير . "
    تساءلت باهتمام : " وما العيب في شكسبير ؟ "
    " إنه يتحذلق ويتحاذق ليقول أشياء في غاية الصعوبة , بحيث لا تستطيع فهم ما يعنيه, ومع ذلك فإنني أحب بعض أعماله . "
    قلت : " إنني متأكد من أن ذلك يسعده كثيراً . "
    يبدو أن ميجان لم تشك بنبرة السخرية التي تكسو كلامي , حيث قالت متهللة
    الأسارير : " فأنا أحب مثلاً شخصيتي جونريل وريجان . "
    " لماذا هاتان بالذات ؟ "
    " أوه , لا أدري , إنهما تشعراني بالرضا إلى حد ما . لماذا كانتا كذلك في رأيك ؟ "
    " ماذا كانتا ؟ "
    " كانتا كما هما , شريرتين في الرواية . أعني أنهما لابد أن هناك شيء جعلهما كذلك ؟ "
    لأول مرة يطرح علي هذا السؤال , فقد كانت مستقرة دائماً في وجداني فكرة أن ابنتي الملك لير فتاتان شريرتان , وهذا ما ارتضيته لنفسي , ولكن تساؤل ميجان عن الأمر جعلني أهتم .
    قلت : " سأفكر في ذلك . "
    " أوه , إن الموضوع ليس ذا أهمية , وإنما كنت أتساءل فقط . فهذا هو الأدب الإنجليزي على أية حال , أليس كذلك ؟ "
    " تماماً , تماماً , ألم تعجبك أي مادة أخرى ؟ "
    " الرياضيات فقط . "
    تساءلت مندهشاً : " الرياضيات ؟ "
    تهللت أسارير ميجان . وقالت : " لقد أحببت الرياضيات , ولكنها لم تُدرس على الوجه الأمثل , لكم تمنيت لو تعلمتها بشكل جيد حقاً , إنها مادة ساحرة . أعتقد أن الأرقام فيها نوع من السحر , أليس كذلك ؟ "
    قلت بصدق : " لم أشعر بذلك مطلقاً . "
    كنا الآن على وشك دخول شارع هاي ستريت . قالت ميجان بحدة : " هاهي الآنسة جريفيث . يا لها من امرأة كريهة . "
    " ألا تحبينها ؟ "
    " إنني أمقتها . فهي تلح علي دائماً حتى أنضم إلى جماعتها من فريق الكشافة المثيرات للاشمئزاز . إنني أكره فتيات الكشافة . ما الذي يدفع الواحدة منا إلى ارتداء أزياء خاصة والسير في مجموعات ووضع شارات على ملابسها من أجل شيء لم تتعلم فعله بطريقة صحيحة ؟ أعتقد أنه مجرد هراء . "
    كنت بصفة عامة متفق مع ميجان , غير أن السيدة جريفيث هبطت علينا قبل أصارحها بموقفي .
    كانت أخت الطبيب التي تحمل اسم إيمي جريفيث تتمتع بقدر من الثقة بنفسها يفوق ما يتمتع به شقيقها . وقد كانت امرأة جميلة , ذات وجه أشهب نتيجة التعرض للشمس , وكان صوتها عميقاً ويحمل نبرة ودودة .
    أشارت إلينا قائلة : " مرحباً بكما , إنه صباح لطيف , أليس كذلك ؟ ميجان عي من أردت رؤيته . أريد مساعدتك في كتابة عناوين المظاريف إلى جمعية المحافظين ."
    تمتمت ميجان بشيء مراوغ , ثم ألقت بدراجتها على حافة الطريق , واختفت بطريقة عمدية داخل المتجر الدولي .
    قالت الآنسة جريفيث : " طفلة غريبة , إنها كسولة للغاية . فهي تقضي وقتها بالتسكع . لابد أنها تمثل مشكلة للسيدة المسكينة سيمنجتون . أعرف أن أمها حاولت أكثر من مرة تشجيعها على امتهان مهنة ما ـ الكتابة على الآلة الكاتبة , أو الطهي , أو تربية الأرانب . إنها بحاجة لشيئ تهتم به في الحياة . "
    كنت أعتقد أن ذلك صحيح إلى حد بعيد , غير أنني شعرت لو أنني مكان ميجان لرفضت بحزم مقترحات الآنسة جريفيث وما ذلك إلا بسبب شخصيتها العدوانية التي كانت لتحول حياتي إلى جحيم ...

    يتبع ...

      الوقت/التاريخ الآن هو الأربعاء أكتوبر 18, 2017 3:47 am