الجنينة نت

أهلا وسهلا بك أيها الزائر الكيرم
نرجو لك مرورا ممتعا
الجنينة نت

ثقافي, سياسي, أدبي, فني إجتماعي

كنت أغفر لو أنني متُّ ما بين خيط الصواب وخيط الخطأ




   

لا تصالحْ..ولو وقفت ضد سيفك كل الشيوخْ....والرجال التي ملأتها الشروخْ....هؤلاء الذين يحبون طعم الثريدْ...وامتطاء العبيدْ....هؤلاء الذين تدلت عمائمهم فوق أعينهم.....وسيوفهم العربية قد نسيت سنوات الشموخْ


يا جِلَّقَ الشَّامِ إنّا خِلْقَةٌ عَجَبٌ.....
لم يَدْرِ ما سِرُّها إلاّ الذي خَلَقا

عداد الزوار

الجنينة نت

 

 

المواضيع الأخيرة

» أجمل ماقيل في الشعر الفصيح
الثلاثاء يوليو 15, 2014 12:26 pm من طرف لطفي الياسيني

» دموع
الثلاثاء يوليو 15, 2014 12:25 pm من طرف لطفي الياسيني

» سمراء
الثلاثاء يوليو 15, 2014 12:24 pm من طرف لطفي الياسيني

» انا الملوم انا الجاني على وطني / د. لطفي الياسيني
الثلاثاء يوليو 15, 2014 12:20 pm من طرف لطفي الياسيني

» مات الضمير وشيعوا جثمانه / د. لطفي الياسيني
الثلاثاء يوليو 15, 2014 12:17 pm من طرف لطفي الياسيني

» قصيدة في وصف فـلـسـطـيـن قبل النكبة / الحاج لطفي الياسيني
الثلاثاء يوليو 15, 2014 12:15 pm من طرف لطفي الياسيني

» الرحلة
السبت مايو 03, 2014 9:43 am من طرف تيسير نصرالدين

»  حول الوضع الثقافي الراهن
الثلاثاء أكتوبر 29, 2013 6:07 pm من طرف mriame

» صباح ..................مساء الخير من الجنينة
السبت يناير 19, 2013 10:47 pm من طرف سوسن سين

» كبة البطاطا بالبرغل
السبت يناير 19, 2013 10:39 pm من طرف سوسن سين

» عثمنة الخطاب السني الرسمي
الأربعاء ديسمبر 26, 2012 11:30 am من طرف تيسير نصرالدين

» الصفقة الصفيقة
الخميس نوفمبر 22, 2012 6:07 pm من طرف تيسير نصرالدين

» الإعلام
الثلاثاء أكتوبر 16, 2012 5:16 pm من طرف تيسير نصرالدين

» مجموعة جديدة
الأحد سبتمبر 23, 2012 10:24 am من طرف تيسير نصرالدين

» ثورة الحرابيق
الأحد سبتمبر 23, 2012 10:09 am من طرف تيسير نصرالدين

أفضل 10 أعضاء في هذا المنتدى

ماهر الفية - 4679
 
جارة القمر - 2726
 
تيسير نصرالدين - 2032
 
دلال - 1572
 
زينا - 792
 
سوسن سين - 607
 
زاهدة - 463
 
أميمة - 427
 
النابغة - 398
 
وسام - 389
 

أهلا وسهلا

 

أهلا وسهلا

---------------------

حقوق النشر

رجاء

نرجو من جميع الأخوة الأعضاء المشاركين والمساهمين

الإشارة إلى المصادر التي نستقي منها النص أو القصيدة

حتى نستطيع التقييم والتصنيف والإنصاف  للمادة المنشورة

وكي لا يضيع حق الكاتب .

يكفي الإشارة إلى كلمة منقول إذا كنا نجهل أسم الناشر .

نشكر تعاونكم

 

الإدارة

لوحات

 

سوريا الله حاميها

 

لوحات فنية

 

 

 

 

 

أعدّي لي الأرض كي أستريح

 

 

 

 

 

 

 


    قصة رجل من القرن التاسع عشر

    شاطر
    avatar
    تيسير نصرالدين
    مشرف عام
    مشرف عام

    العمر : 60
    الموقع : ميلانو

    قصة رجل من القرن التاسع عشر

    مُساهمة  تيسير نصرالدين في الأحد أبريل 11, 2010 9:27 pm

    حكاية من الذاكرة على حلقات
    -1-
    كانت طفولتي مختلفة ومتميزة بكل شيء لذلك كنت اشعر انني مختلف عن أبناء جيلي و أشعر انني طفل استثنائي بسبب عوامل كثيرة أهمها والدي. هذا الرجل المسن الذي كان أنسب له ان يكون لي جداََ وليس ابا لأنه كانقد تجاوز السبعين من عمره أقول تجاوز وربما كان في الثمانين لأنني سالته مراراََ عن عمره عندما كنت صبياََ كان يقول لا ادري على وجه التحديد لكنني في السبعين من العمر , وكانت تعلق والدتي ضاحكة تزوجته منذ أكثر من عشرين عاماََ وقال لي حينها أنه في الستين من عمره والله وحده يعلم كم اخفى حينها ,كان يجيبها مداعباََ أنا اكثر شباباََ منك وانت اكثر الناس دراية بذلك نحن عملة اصبحت نادرة لسنا كشباب اليوم الورقية وينتهي الحديث في ثلاثة او اربع احتمالات كل واحدة منها مرتبطة بحدث تاريخي , يقول مثلاََ عندما كان المفوض السامي في قضاء لبنان المسيو جوفنيل كان عندي أبنائي الثلاثة من زوجتي الرابعة ! تفضل كيف ستحدد عمره وجوفنيل خدم عشرة سنوات مفوضاّّ سامياََ وهو عنده ثلاثة اولاد من الزوجة الرابعة ولا ندري من هي الأولى ونجهل ظروف زواجها وظروف اختفائها من حياته وهكذا الثانية لو لم استرق السمع إليه في إحدى استرسالاته مع أحد رفاق عمره دون ان يشعر بوجودي وانا متكور على الأرض اكتب وظائفي المدرسية سمعته وهو يتحدث بحسرة عن هذه السيدة التي تزوجها عن حب ولم يكتب له العيش معها اكثر من عام حيث قضت في ولادتها الأولى مع مولودها الذي من المفروض ان يكون أخي ولو كتبت له الحياة لكان يكبرني بخمس وخمسون عاماََ لكن الثالثة لم اسمع عنها قط لكنني اكتشفت ذلك بعد وفات والدي أنه كان متزوج من سيدة لبنانية قبل الرابعة وهي لبنانية ايضاََ وسبب الفراق مع الثالثة لأنها لم تكن تنجب إذا استطعت ان احدد تاريخ ميلاد والدي انه مابين 1885 و1887سمعته في أحدى المرات يمازح رفيقاََ ويقول له أنا وشكيب ارسلان مواليد ذات السنة وسمعته يقول أـيضاََ انه كان في بيروت عندما أعدم جمال باشا السفاح 21 وطنياََ وكنت تقريباََ في الخامسة و الثلاثين من عمري إذا كان ذلك صحيحاََ يكون والدي عندما تزوج والدتي وهي الخامسة وأخر زوجاته كما يقول تزوجها بعد استقلال سوريا اي بعد الجلاء الفرنسي, لذلك يقدر عمره أنذاك ب67 سنة وقضت معه 30 سنة وانجبت منه أربع ذكور ياكلون رأس الأفعى وأنا واحد منهم واربع إناث إي ثمانية اولاد ماشاء الله إضافة إلى اشقائي الخمسة من الزوجة الرابعة , طبعاََ أنا لم اقل هذا عبثاََ لأنني سأتحدث عن هذا الرجل الرائع المتميز هذا الرجل الذي ينتمي إلى القرن التاسع عشر كان يحمل في رأسه وفي قلبه حداثة ووعي القرن الواحد والعشرين وللاسف لم اكن ادرك الكثير من تصرفاته وبدأت اكتشف اليوم ان هذا الرجل قد سبق عصره بمئة عام على الأقل من خلال سلوكياته وممارساته اليومية , هذا ليس موضوعنا . للحديث عن هذا الرجل على ان استعين بما تسعفني به ذاكرة الطفولة لصور من الماضي مازالت عالقة على جدارهاعلى الرغم من غبار الزمن الحالكة ولا يمكنني ان أكتب مذكراته لأن الظروف لم تعينني على فعل ذلك بسبب ابتعادي المبكر عنه فكل ما استطيع قوله سيكون من ذاكرة تحت سن الرابعة عشرة كان هي السسنوات التي اتيحت لي بالجلوس إلى جواره لألتقط ما يتساقط من فيض الكلام وعذبه حينما يحادث زواره ومجالسيه ,كانت اجمل الليالي تلك الشتائية بمساءاتها الخافتة حيث يكتض ازدحام الريح المتكسر على جدراننا الحجرية السميكة وينتشر الصقيع باوصال القرية النائية ليبقى المكان الاكثر أمان واكثر دفئاََ في العالم تلك البيوت الحجرية العابقة بدخان المواقد البدائية بخصوصية تلك البيئة الزراعية التي تسمح ان تستخدم ما تنتجه من بقايا المحاصيل الزراعية وروث المواشي و الأبقار التي تجفف لتتحول الى فاكهة لمساءات الشتاء الباردة .............. يتبع


    عدل سابقا من قبل تيسير نصرالدين في الخميس مايو 13, 2010 7:01 am عدل 2 مرات


    _________________

    الخيل والليل والبيداء تعرفني:: والسيف والرمح والقرطاس والقلم 



     


     

    avatar
    تيسير نصرالدين
    مشرف عام
    مشرف عام

    العمر : 60
    الموقع : ميلانو

    رد: قصة رجل من القرن التاسع عشر

    مُساهمة  تيسير نصرالدين في الإثنين أبريل 12, 2010 1:28 pm


    -2-
    كان هذا الرجل العجوز يحتفظ بسحره وجاذبيته على الرغم من التجاعيد التي اضافت مسحة من الهيبة والوقار على وجهه الجميل الهادىء بعيناه الحادة الجسورة المفرطة بزرقتها الفاتحة كسماء نيسان , كان لحديثه ذلك الطعم وتلك النشوة اللذان يتشابهان مع رشفة النبيذ المعتق ,كان يتمتع بموهبة ساحرة وذاكرة خارقة واسلوب شيق , كنت اسمع منه ذات الحكاية عشرات المرات وكنت اتابعها بشغف كأنني استمع اليه لأول مرة سواء كانت عن تجاربه ومغامراته او بعض الحكايا من التاريخ والادب أو سواليف البادية وتفاصيلها مع قصائدها كاملة وكان في كل مرة يضع فيها طعم ومذاق شهي , كان مخزونه الثقافي لا يتناسب مع بيئته القروية العشائرية المبنية على اعتبارات مريضة في اغلب الأحيان وقد اكتشفت فيما بعد عندما بدأت أطالع بعض الكتب ان والدي كان يروي حكاياته من كليلة ودمنه ومن الف ليلة وليلة ومن وبعض الأدب المهجري والادب الإسلامي والكثير الكثير, مما ادهشني حقاََ انه كان ينسجها بصياغة تتناسب مع روح المجتمع , على الرغم من ذلك بقي في نفسه ذلك الجرح الذي لم تستطع السنين وتراكماتها أن ترممه كان دائماََ يلون نظراته التي سرعان ما تنكسر اذا تحدث عن بعض جوانب حياته خاصة عن طفولته يقول ضاحكاََ بصوت يختبىء خلف نبراته بكاء السنين الغابرة,أن والده قد توفّى وهو في الشهر السادس من عمر وكان الولد الوحيد لأن والده توفى في ريعان شبابه مما جعل والدته تعاني في تربيته وأسرفت في أمومتها حيث ارضعته أربع سنوات ونذرت حياتها من اجله لكن ذلك لم يجنبها أن تواجه كافة اشكال الظلم الإجتماعي ليس بسبب الحاجة لكن بسبب تسلط اقرباء والدي الذين وجدوا بعد وفاة أخيهم أن كل ما كان يملكه أصبح من حقهم .
    كانوا جميعاََ ميسورين ولديهم من الرزق ما يكفي لكن دائما تفترس الذئاب الشاة المتاخرة والضعف يغري ضعاف الضمائر, لكن هذه المرأة وقفت بوجه الرجال وقاومت إلى ان اصبح ولدها يافعاََ وحافظت على رزقه بل وازادت عليه وكي تقنع نفسها وترتاح حاولت تزويجه وهو مازال طفلاََ ولم يكمل السادسة عشرة لكن هذه الزيجة لم يكتب لها أن توفق وأفلست وفشلت فكان القدر ايضاََ اسرع من هذه المرأة حيث توفتها المنية وهي مازالت في مقتبل عمرها وكان والدي في سن الثامنة عشرة بقي وحيداََ بسريرته البيضاء وقلبه الطيب ليواجه مكر الماكرين وخبث الطامعين .لم تدم الحياة هنية لوالدي بعد ان عاش تجربة سيئة مع أعمامه وتبين من بعضهم مواقف تتعارض مع كافة الأعراف لذوي القربة وصلة الرحم مما جعل نفسه الحرة الأبية تعوف كل شيء تاركا خلفها خيبة أمل كبرى بمن أئتمنهم على ماله ورزقه ومستقبله وغادر إلى بلاد الله الواسعة لينتقل من فلسطين إلى لبنان ويستقر هناك لفترة من الزمن حيث اشتد عوده وقوي بأسه واصبح رجلا تهابه الرجال . كان يجلس على عرش ذاكرته كملك جسد ته منابر الكلام , هناك بعض الذكريات التي تنام في سرائرنا وتغفو طويلاَ لكنها تستيقظ حين يهزها الوجد ................. يتبع
    .


    _________________

    الخيل والليل والبيداء تعرفني:: والسيف والرمح والقرطاس والقلم 



     


     

    avatar
    ماهر الفية
    العضو الملكي
    العضو الملكي

    العمر : 34
    الموقع : الـجـنـيـنـة نـــت

    رد: قصة رجل من القرن التاسع عشر

    مُساهمة  ماهر الفية في الإثنين أبريل 12, 2010 4:17 pm

    رائع خيي تيسير

    قرأتها مرة وسأعيد قرأتها مرة اخرى

    تابع اخي تابع اتمنى لك التوفيق
    avatar
    دلال
    العضو الماسي
    العضو الماسي

    رد: قصة رجل من القرن التاسع عشر

    مُساهمة  دلال في الثلاثاء أبريل 13, 2010 8:47 am

    هؤلاء الرجال ليس كافياً ان يكونوا مجرد تاريخ يقرأ
    انهم قدوتنا وحكمائنا ومعلمينا
    والمستفيد الأكبرمنهم هو من يتقن حواس التلقي ويعرف ان الدنيا
    ما هي الا مدرسة تعلمك كيف تحيا وتترك ذكرى طيبه واثرلا يمحى
    اشخاص تركوا لنا مجدهم لنتعلق به ونضعه وساماً نتشرف كوننا أنتمينا لهم يوما
    أستاذنا أننا بأنتضار المزيد
    دمت بخير


    _________________
    يا دمشق البسي دموعي سواراً ****** وتمنّي .. فكلُّ شيء يهونُ
    وضعي طَرحَةَ العروس لأجلي ****** إنَّ مَهْرَ المُناضلات ثمينُ
    avatar
    جارة القمر
    العضو الملكي
    العضو الملكي

    العمر : 31
    الموقع : بين الأهداب

    رد: قصة رجل من القرن التاسع عشر

    مُساهمة  جارة القمر في الثلاثاء أبريل 13, 2010 9:05 am

    قرأة منظومة متكامله من الأصالة والوفاء والعطاء والصدق والتضحيه

    التي نفتقد لها بعصرنا هذا
    هم كانوا عنوان لكل شيئ أبي جميل نقي طاهر
    أهلنا وأجدادنا مازلنا نعيش ونستمد الأصالة من مواقفهم ومواعضهم وشجاعتهم
    رائع رائع ما سطر قلمك من حروف لؤلؤيه عن أهل الوفاء أهلك
    أستاذي الراقي تيسير
    أنتظر بشوق.......... التالي
    avatar
    زاهدة
    عضومميز
    عضومميز

    العمر : 33

    رد: قصة رجل من القرن التاسع عشر

    مُساهمة  زاهدة في الثلاثاء أبريل 13, 2010 7:01 pm

    صديقي تيسير
    رائعه ومشوقه قصتك هذه
    الاباءالرائعون يستحقون دائما ان نذكرهم ونتذكر افعالهم ومواقفهم
    لان الحكمه ورجاحة العقل في كل تفاصيل حياتهم
    فكيف اذا كان اب بهذه المواصفات
    احسدك على هذه الذاكره الطيبه
    والاسلوب الرائع والسلس في سرد قصتك المشوقه هذه
    لاتتأخر علينا كثيرا
    دمت بأبداعك
    avatar
    تيسير نصرالدين
    مشرف عام
    مشرف عام

    العمر : 60
    الموقع : ميلانو

    رد: قصة رجل من القرن التاسع عشر

    مُساهمة  تيسير نصرالدين في الأربعاء أبريل 14, 2010 8:32 am

    شكرا لمروكم وأنشاءالله سأتابع
    الحلقة الثالثة قريبا


    _________________

    الخيل والليل والبيداء تعرفني:: والسيف والرمح والقرطاس والقلم 



     


     

    avatar
    إيهاب
    عضو نشيط
    عضو نشيط

    العمر : 30

    رد: قصة رجل من القرن التاسع عشر

    مُساهمة  إيهاب في الأربعاء أبريل 14, 2010 11:14 am

    قصه رائعه اخي تيسير
    رائع هذا السرد والدقه في سرد التفاصيل التي لا تخلو من التشويق
    دمت بخير
    ونحن بالأنتظار

    أميمة
    عضومميز
    عضومميز

    رد: قصة رجل من القرن التاسع عشر

    مُساهمة  أميمة في الأربعاء أبريل 14, 2010 2:41 pm

    استاذ تيسير
    قصه جميله جدا
    سلمت اياديك ونحن بأنتظار البقيه
    avatar
    تيسير نصرالدين
    مشرف عام
    مشرف عام

    العمر : 60
    الموقع : ميلانو

    رد: قصة رجل من القرن التاسع عشر

    مُساهمة  تيسير نصرالدين في الأربعاء أبريل 14, 2010 8:07 pm

    -3-
    إن الحياة موقف ,وكثير من المواقف لاتعطي صاحبها الوقت الكافي للتفكير بكيفية تصرفه وردود أفعاله امام حدث قد يطرأ على حين غرة.
    ربما بعض المواقف تكلف اصحابها اثمان باهضة وتترك آثارها في ذاكرة الأيام حتى لونسيها أصحابها,لأن الايام والزمن يحتفظان بسجلاّت السيرة والسلوك ولو بعد حين.
    لم يكن أحد يتصور أن يخلق موقفا ينبش ذاكرة السنين ويعيد أصحابها إلى مرحلة كان قد نسيها جميع ابطالها بعد أكثر من ثلاثين عاما على مضيّها
    لكن قد حصل ذلك حين ذهب أخي الأكبر لإجراء معاملة التاجيل عن الخدمة العسكرية ولم يتمكن من الحصول على التاجيل لاسباب روتينية أو بيروقراطية حين عاد ليخبر والدي بعدم قبول تأجيله .
    لا أدري إذا كان والدي قد ساله عن اسم رئيس الشعبة أم لا لكنه قال له ساذهب أنا غدا ربما استطيع ان اقنع الرجل بضرورة تاجيلك كمعيل لنا , لم يكن شقيقي متحمسا لذلك بإعتبار انه لم يوفر وسيلة لإقناع الرجل وكان كل ذلك دون فائدة.
    قال والدي لا عليك اعطني الأوراق وسأحاول من جديد , خضع أخي لرغبة والدي وهو غير متفائل لأن الموضوع بالنسبة له بات منتهيا .
    ذهب الوالد في اليوم الثاني إلى المدينة التي تبتعد 12 كم عن بلدتنا ودخل على رئيس الشعبة وكان والدي في الثمانينات من عمره ملقيا التحية فقابله الرجل بمثلها وشرح له الوالد انه في هذا العمر يحتاج إلى معيل وان اخي هذا هو معيله الوحيد .
    اعتذر الرجل بأدب لوالدي وقال له اسف ياعماه هناك بعض الشروظ غير متوفرة ولا أستطيع ان اخدمك
    قال له والدي من أي قرية أنت ؟, أجاب الرجل أنا من قرية ملح , وتابع والدي السؤال , ابن من انت قال له الموظف أنا ابن فلان سأله والدي مبتسما , كيف الدهر على الوالد؟, أجاب الشاب رحمه الله , قال والدي رحمه الله , و كيف حال الوالدة اجاب الشاب مستغربا بخير الحمد لله قال له والدي أنا اسمي فلان هل لك ان تسلم على الوالدة وتذكر اسمي على مسامعها و بعد ان تعود من عطلة نهاية الاسبوع ربما سأعود إليك آملا أن يكون لك موقفا آخر وتغير رأيك ,قال الشاب مبتسما انصحك ياعم بعدم المجيء وتوفير التعب على نفسك لأن الامر منتهيا .
    قال له والدي لابأس نلقاك بخير .
    عاد والدي إلى البيت فرحاََ ساله اخي ماذا فعلت قال والدي اليوم لا شيء لكن يوم السبت سأفعل باذن الله هز اخي راسه وهو يشفق على تعب الوالد معتبرا أن الموضوع غير مجدي .
    ويوم السبت كان والدي اول الداخلين الى مكتب رئيس الشعبة وعندما راه الشاب انتصب على قدمية وهرع نحوه مصافحاََ متعلثماََ بكلمات الترحيب و الأطراء وقال تفضل ياعماه والله لوكلفتني مستقبلي هذه الخدمة سوف اقوم بها من اجلك
    عاد الوالد حاملاََ بيده تاجيل اخي مع الموافقة يؤجل عن الخدمة الإلزامية لمدة عام , بدأ طريق العودة سيراََ على الاقدام لعدم توفر المواصلات انذاك فكان ذلك أواخر الستينات وكانت وسائط النقل تعبر القرية مرة في الصباح ومرة بعد الظهر ولحسن حظه لحقت به سيارة تابعة لوزارة التربية بعد أن قطع حوالي 4 كم سيرا على الأقدام واوصلته الى القرية . دخل والدي البيت وبشائر الخير مرتسمة على وجهه مزهواََ سعيداََمأكداََ لنا ولنفسه بأن هذا الماضي الذي عاشه مازال قائماََ على بناء متين وما زال حافلاََ بأعلام المجد .
    هنا اتضحت رغبة والدي وشغفه للحديث عن هذا الماضي وبقليل من الاسئلة كان والدي يروي أحداث هذه القصة التي تنتمي الى واقع كان هو أحد شخصياته الرئيسية .
    قال والدي كمن يقرا في صفحة مكتوبة .... بعد أن طاف ارجاء المعمورة مابين فلسطين ولبنان وكانت فلسطين انذاك مصدراََ لرزق الكثير من سكان البلاد المجاورة ,خاصة في مواسم قطف البرتقال . استقر به المطاف في منطقة الشوف في لبنان وبدأ يستقر ويؤسس لنفسه عزوة من الأصدقاء والصحبة ليصبح واحد من اصحاب الشان ويأخذ مكانته في الحضور والصدور .................... يتبع .


    _________________

    الخيل والليل والبيداء تعرفني:: والسيف والرمح والقرطاس والقلم 



     


     

    avatar
    najwa

    رد: قصة رجل من القرن التاسع عشر

    مُساهمة  najwa في السبت أبريل 17, 2010 7:07 pm

    رحم الله الوالد

    هذا الشبل من ذاك الاسد
    ومن شابه اباه ما ظلم
    انك رائع في سردك كما عودثنا
    avatar
    زينا
    عضومميز
    عضومميز

    العمر : 40

    رد: قصة رجل من القرن التاسع عشر

    مُساهمة  زينا في الأحد أبريل 18, 2010 5:47 am

    كم من الممتع سماعك وانت تروي لنا قصتك


    لقد شعرت بالفرح الكبير وانا اقرء ما كتبت اناملك


    البعض قال انك كتبت السهل الممتنع

    وانا اقول كتبت الصعب الممتع

    منذ طفولتي وانا اتحسر لاني لم أرى جدي

    والان اتحسر اكتر لانني لم اعرفه

    ولكني فخورة جدا به وبك

    رحم الله جدي والله يخليلنا اياك

    انتضر بفارغ الصبر المزيد

    اشكرك


    عدل سابقا من قبل زينا في الأحد أبريل 18, 2010 1:23 pm عدل 1 مرات
    avatar
    تيسير نصرالدين
    مشرف عام
    مشرف عام

    العمر : 60
    الموقع : ميلانو

    رد: قصة رجل من القرن التاسع عشر

    مُساهمة  تيسير نصرالدين في الأحد أبريل 18, 2010 9:40 am

    -4-
    يقول والدي
    مسترجعا سنوات كان للدهر فيها صولات وجولات منذ أن غادر قريته باتجاه فلسطين للمرة الاولى ليكتشف أن العالم أوسع بكثير ما ظن أيام طفولته وسنين شبابه الأولى على الرغم من شعوره بالظلم الذي بدأ يدركه بعد أن عاشه مع من هم من دمه ولحمه , بدأ يشعر بظلم الإنتداب الفرنسي على سوريا ولبنان و الضغوط الفرنسية على الحياة العامة,لكن لأسباب واعتبارات استعمارية كانت الحياة في لبنان أقل ردائة ويوجد مناخ ملائم للفكر والسياسة وللعمل ايضاَ.
    يستمر والدي بالحديث مختصرا رحلته التي بدأها باتجاه فلسطين ليروي لنا كيف استقرت به الحال في لبنان في قضاء قرنايل بعد ان تزوج من سيدة لبنانية من آل عبد الملك وهي عائلة كانت من البكوات ولها حضوة في الزعامة والالقاب العائلية و مما جعله يواجه بعض المصاعب والتعنت من قبل اهلها واشقائها في تزويجها لشاب قادم من جبل حوران , لكن سرعان ما استطاع أن يليّن المواقف ويثني المتعنتين عن قرارهم إلى أن تزوج تزوج هذه الفتاة وكانت فتاة فاضلة ومتعلمة في ذلك الوقت وقد عملت كمدرسة لبعض الوقت .
    يتابع والدي الحديث بعد أن استقر به المقام و تزوج وانجب من هذه السيدة وتقاسما حلاوة العيش ومره قد استمال هذه السيدة اللبنانية الطباع والتربية شبه الإرستقراطية إلى عادات وتقاليد أهل الجبل والتقيد بالواجبات الأصيلة مهما كانت باهضة الثمن , وكان قد خصص في منزله غرفة خاصة للضيوف القادمين من الجبل طلبا للرزق , فكان يستظيف أحدهم ويبقيه عنده ضيفا معززا إلى ان يتدبر امره بالعمل والسكن ويأتي غيره ليأخذ مكانه وهكذا مما جعله معروف في المنطقة بين أبناء الجبل وبين أبناء المنطقة الأصليين .
    يحدثنا عن تلك الفترة بشيء من النشوة وكأنه يستعيد شبابه وعنفوانه ومجده , حيث كان وسط مجموعة من الأصدقاء لهم مكانتهم الإجتماعية واهتماماتهم السياسية و كان على راسهم صديق اسمه اديب الزهيري كان يدرس القانون قبل ان يحصل على إجازة المحاماةو يصبح نائبا في البرلمان اللبناني .
    كان ذلك في منتصف الثلاثينات وكان انطون سعادة قد سطع نجمه السياسي وبدأ يفتن اهل السياسة التواقين للوحدة والاقليات التي عانت من الجور والبطش العثماني فكان الالتفاف والتأثر في الفكر القومي الذي حمله سعاده في برنامجه السياسي الذي طرحه الحزب القومي السوري قد انتشر كالنار في الهشيم خاصة بين بعض الأوساط.
    كانت منطقة الشوف تنبض بالحس القومي وتتبنى هذا الفكر وهي المنطقة الجريحة التي وقع فيها مذابح على أيدي العثمانيين وصلت إلى عشرات الآلاف من ابنائها , لذا وجد الفكر القومي إقبالاََ منقطع النظير في هذه الاوساط و بعض مناطق الجوار .
    يقول والدي كنت أنا واحدأ من عباد الله التي انتسبت إلى هذا الحزب مبكراََ بحكم صلتي بأديب الزهيري وصداقتي المتينة معه .
    وكان هو أنذاك امين السر للحزب في منطقة الشوف وكان ياتي أنطوان سعادة ليدير كثيراََ من الأجتماعات .في هذه المرحلة كنا نجتمع بشكل سري بعد أن شددت سلطات الإنتداب الحضر والحصار لهذا الحزب الحديث والمؤثر , وكان التبليغ عن الاجتماعات يتم من خلال بعض الأعضاء الموثوقين ,وغالباََ كنا ا نوزع هذه المهام على بعضنا و نذهب إلى بيوت الأعضاء للتبليغ ,وفي إحدى الليالي كان علينا ان نجول على بعض البيوت لنبلغ رفاقنا على زمان ومكان الاجتماع, فمررنا بمجموعة من البيوت المتناثرة على المنحدرات والشعب التي شكلت أدراج جبلية تخللتها البيوت والبساتين واشجار السنوبرلتعطي معظم البيوت تلك الخصوصية والتفرد بطابعها الجبلي المتميز وكان آخر البيوت التي مررنا بها بيت متطرف قليلا ويجاوره من بعيد عدة بيوت تشاركه العزلة .
    حين وصلنا ذلك البيت كان يمكن رؤية من بداخله من خلال النافذة التي تسمح أن يرى المرء معضم أرجاء هذه الغرفة وكان الباب مفتوحاََ على الرغم من برودة الطقس نادينا على الرجل فخرجت السيدة وقالت لم يصل بعد ,لكن تفضلو واشربوا الشاي فهو جاهز وحاولنا ان نعتذر تاركين له رسالة يفهمها هو ,لكن المرأة أصرت على دخولنا بقولها لن تنتظروا أبدأ الشاي جاهز ويوجد رجل في البيت هذا أبن عمي و بمثابة أخي, ودخلنا فعلاََ وألقينا التحية على الشاب الذي كان شكله يوحي انه في العشرين من عمره وكانت السيدة تكبره بالعمر وعلمنا انه سيذهب غداََ الى سوريا وكان يكتب لها رسالة تمليه هي كلماتها .ولم نمكث طويلاََ لضيق الوقت.
    كان ابي يتحدث وقد أرخى لاساريره الحبل كي تشاركه التقاط هذه الذكريات فكانت تتاثر ملامحه, تارة ينفعل وتارة يهدأ ويحزن ويبتسم ويعقد حاجبيه بناء على كل موقف يرويه لنا .
    يتابع والدي الحديث محاولا الدقة في تسلسل الاحداث والتواريخ لكنني انا من افتقد هذه الدقة الآن في نقلي .
    يقول الوالد ..هنا اكتشف صديقي بعد انتهائنا من الاجتماع ان مفتاح بيته ليس معه وكان من المرجح أن يكون قد نسيه في هذا البيت , , وقررنا ان نذهب اولا ََ إلى هناك وكانت الساعة تجاوزت العاشرة ليلاََ ,عند اقترابنا من هذا المنزل كان يمكن لنا أن نرى من في الداخل بوضوح , لكن كان المشهد الذي رايناه مثيرا للشك والغرابة رأينا,منظرا مدهشا وصاعقا , قلت لأديب أترى ما أره؟,اجاب صديقي بكلمات مرتبكة يالله ماذا يجري !.
    كانت المرأة متكورة في الزاوية ترتجف مذعورة تظم طفلة لا تتجاوز الستة شهور و تشدها إلى صدرها كأنما تحتمي بها, وفي وسط الغرفة الزوج الذي نعرفه جيدا ومعه رجل آخر عرفناه فيما بعد أنه شقيقه وفي يديهما حبل من كتّان يصنعونه على شكل خناقة ويمررون عليه الصابون كي يسهل انزلاقه , بينما كانا الرجلان منهمكان في هذا الشأن طرقت على الباب طرقا قويا مناديا باسم الرجل مما جعل من في الداخل ينتفض من المفاجأة غير المتوقعة , فتح الرجل الباب بكثير من الإرباك وقال وهو مازال يسد الباب تفضلوا تفضلوا , قلت له كيف سنتفضل وانت تسد الطريق علينا!, تنحى جانبا يارجل ودفعته ممازحا اشق طريقي نحو الداخل بينما تاخر قليلا صديقي يقاسم الرجل ارتباكه .
    دخلت إلى المكان ملقيا تحية المساء على الرجل الموجود في الداخل والذي كانت ملامح وجهه تعبر عن ملامح غير مطمئنة ونظرت نحو المرأة كي اشعرها أن التحية تعنيها أيضا .لكنني لم اتوقع ان تنتفض المرأة بحركة مفاجئة تاركة ابنتها من يديها على الأرض وكما يقال( من حلاة الروح )متمسكة بذراعي صارخة والدموع تخنق صوتها , أنا دخيلة عليك وعلى عرضك انقذني منهما أنهما يريدان قتلي يريدان شنقي .
    مع هذه الحركة تأهب سلفها للتدخل محاولا الإقتراب نحونا وكان زوجها أيضا قد حاول الإقتراب منها ,فنهرتهما وكنت أتسلح بمسدس على وسطي فشهرته وطلبت منهما لا يتصرفان بحماقة وإلاّ سأكون مضطرا أن أطلق عليهما النار وكان ايضا صديقي أديب مسلحا ففعل مافعلته وقال لهما التزما مكانكم.
    خرجت مع المرأة من المنزل مذكّ را إياها بإبنتها قائلا, الاتريدين ان تصطحبي ابنتك؟ ,كانت المرأة في حالة انهيار ويأس وبغير إرادة قالت لا لا أريدها , مكررة عبارات التوسل واستجداء الحماية والتشبث بي أكثركأنها مازالت تشعر بعدم الأمان وكانت تشعر بالعار و تردد ياباطل يطعناني بشرفي ياباطل على سوء النوايا ليت الأرض ابتلعتني قبل أن أرى ذلك .
    سرنا نحن الثلاثة وسط ظلام الليل محاولين أنا ورفيقي أن نهدأ من روعها بعد أن خلعت معطفي ووضعته على أكتافها ,مرتبا عليها كي ازرع الإطمئنان في قلبها لا تخافي لن يمسك احد بسوء وأنا على قيد الحياة بإذن الله ,وقبل سؤالي لها عن اسباب ماحصل سالتها إن كان لها اقارب هنا , فأجابتني ما من أحد لي سوى الله وأنتم,قلت لها والنعم بالله وأنت أختي بعهد الله وستجدين مني الدفاع عن حقك كرامتك دون هوان .........يتبع.


    _________________

    الخيل والليل والبيداء تعرفني:: والسيف والرمح والقرطاس والقلم 



     


     

    avatar
    إيهاب
    عضو نشيط
    عضو نشيط

    العمر : 30

    رد: قصة رجل من القرن التاسع عشر

    مُساهمة  إيهاب في الثلاثاء أبريل 20, 2010 7:04 am

    اخي تيسير في كل جزء تكتبه
    يزداد التشويق لمعرفة ماضي هذا الرجل العظيم
    وفقك الله في سردك الممتع ونحن دائما بالأنتظار
    avatar
    سوسن سين
    عضومميز
    عضومميز

    الموقع : سوريا

    جل من القرن التاسع عشر

    مُساهمة  سوسن سين في الثلاثاء أبريل 20, 2010 6:34 pm

    اخي تيسير كلما قرأنافي سيرة الوالد رحمه الله نزداد قناعة مثلما قالت الاخت الغالية نجوى بأن هذا الشبل من ذاك الأسد 000كم اتمنى ان نشابه هؤلاءالاباء بصفاتهم بصبرهم وقدرة تحملهم و بسدادرأيهم رحم الله والدك ووالدي واسكنهم فسيح جناته
    avatar
    تيسير نصرالدين
    مشرف عام
    مشرف عام

    العمر : 60
    الموقع : ميلانو

    رد: قصة رجل من القرن التاسع عشر

    مُساهمة  تيسير نصرالدين في الأربعاء أبريل 21, 2010 9:09 am

    شكرا لكل من مر قارئاولكل من ترك لي كلمة على هوامش الفكرة
    شكرا لك سوسن سين على قرائتك ونعقيبك


    _________________

    الخيل والليل والبيداء تعرفني:: والسيف والرمح والقرطاس والقلم 



     


     

    avatar
    تيسير نصرالدين
    مشرف عام
    مشرف عام

    العمر : 60
    الموقع : ميلانو

    رد: قصة رجل من القرن التاسع عشر

    مُساهمة  تيسير نصرالدين في الأربعاء أبريل 21, 2010 2:10 pm


    -5-
    كانت تنفرج إسارير هذا الرجل الثمانيني وتزهو ملامحه بالفخر كأنما يستعيد مجده الذي سرقته منه الايام مرة ثانية بعد عودته إلى مسقط راسه لينزوي على ارثه العظيم الذي يتجاهله ذوي القربة ولا يأخذون اعتبارا لشيبته حين تنشب خلافات بسبب قناة للمياه غير مجراها احدهم او دجاجة سطت على حين غفلة على بيدر آخر فتثار روح القبيلة ويجتمعون على ثأر سخيف ونخواتهم تتطاير ثم ينهالون بالحجارة على منزل يسكنه أطفال أكبرهم لا يتجاوز الثانية عشر ورجل عجوز قارب الثامنين من عمره .
    كانت هذه الصورة ومازالت من أقبح الصور واقساها تعشش في ذاكرتي على الرغم من التسامح مع اصحاب هذه المواقف وخلو الذاكرة والسريرة من الإنتقام أو الحقد على أصحباها,وقد تكون هذه الأحداث والمواقف التي أسمعها منه الآن تعيد لي الشعور بالفخر والترفع عن مثل هذه السقطات الإجتماعية . مع العلم أنني تمنيت كثيراََ أن يكون ابي اكثر شباباََ كي اشعر بالامان والطمأنينة في مجتمع تبنى اواصره وعلاقاته على اعتبارات قبلية و محسوبيات تندرج وفق تقسيمات عائلية انعكست على طفولتي واراها بوضوح حتى الان في تكوين شخصتي المنفعلة و المتوجسة .كنت في الصف الرابع الإبتدائي حينها وأنا اتابع والدي وهو يروي هذه الحكاية كنت انظر اليه و أعيد قسمات وجهه إلى نضارتها واتخيله بقامته الطويلة وعيناه الزرقاوان بنظرتهم الحادة.كنت أتابع بكل شغف هذا الحديث وأتلقف كل كلمة تصدر عن هذا الرجل ألذي يشرفني الإنتماء إليه .
    يتابع الوالد بانفعال كأنما المشهد يسرع دقات قلبه ويخدش نبرات صوته و كنت أنا أتابعه باكثر انفعالاََ .قال بعد وصول المرأة إلى بتنا ألزمت أمرها إلى زوحتي أم العيال وطلبت منها أن تهتم بشأنها وتعاملها على أنها (مقطوعتي) وأخت شقيقة لي وأن لا تشعرها بغير حسن الضيافة والترحاب وطيب الحفاوة إلى أن يفرجها الله عليها .
    بعد ذلك استمعت إلى المرأة عن سبب هذا المشهد الذي رأيناه ,فقالت أن سلفها مر ببيت أخيه وشاهد ابن عمها كما شاهدناه نحن من قبل فلم يروق له ذلك واساء الظن بها وقد وشى لأخيه قبل وصوله إلى البيت بل وزرع الشك في نفسه ليتهمها بشرفها مع من هو بمثابة أخ لها والله يشهد على ما في الصدور والضمائر والباقي تعرفونه جيدا , هنا وبعد أن هجعت المرأة وشعرت بالأمان وعادة لها السكينة استفاقت أمومتها وأخذت تجهش بالبكاء تحسرا على ابنتها الرضيعة التي تركتها هناك .يتابع والدي بعد سماعي هذا الحديث خرجت من البيت متجها إلى بيت الرجل ودخلت عليه بخشونة وكان وحيدا بعد أن تركه أخيه مؤنبا له عن فعلته الشائنة مثنيا على هذه الزوجة الحرّة مذكّراََ إياه أن هذه المراة هي وحيدة وهي عرضك الآن , لقد تركت اهلها وكل ماضيها لتكون أهل لك ورفيقة وام ابنائك وهي امانة في عنقكويقول المثل أن الحرائرهن ودائع ابناء الحلال , لكن ما رأيته بعيني يجعلك اقل من ان تؤتمن على دجاجة.
    يتوقف والدي متعاطفا مع الرجل الذي استفاق من غيبوته وبدء يعترف أنه تسرع وأخطأ بحق نفسه وحقها طالبا من والدي إصلاح ذات البين وإعادة المرأة إلى بيتها قائلا ... أنا مستعد أن أعتذر لكم ولها واعيدها الليلة معززة مكرّمة واصحح خطأي ,. قال له والدي الأمر ليس بهذه البساطة والمرأة مجروحة ومفجوعة على نفسها فلولا لطف الله لكانت معلقة في سقف بيتك الان,
    ثم نهره والدي وقال له الم تنشأ وتكبرفي مضافات الجبل وتعرف الأصول والعادات والتقاليد ؟, اجاب الرجل بالطبع قال له والدي إذا عليك أن تقبل شروطي وترد اعتبار هذه المرأة وتتعهد أمام وجهاء المنطقة بالحفاظ عليها وتصون عرضها وكرمتها أمام شهود الحال من أهل الشأن والوجهاء ورجال الدين , ويتابع والدي قائلا للرجل أعطني الطفلة لتكون مع أمها والصباح رباح .تقبل الرجل كلام والدي مبديا أسفه وواضعا نفسه تحت الحق ثم عاد والدي بالطفلة وسلمها لوالدتها .ذهب الرجل في اليوم التالي إلى بيت والدي برفقة بعض الجيران والمعارف ليقدم الأعتذار ويرجع زوجته على اعتبار أن الأمر سنتهي هنا , لكنه تفاجىء بموقف والدي الصلب وعدم السماح له ان يرى زوجته , قائلاََ له ولمن معه كرامتكم محفوظة وأنتم على الرأس والعين لكن هذه المرأة ليست مقطوعة من شجرة فهي منذ الأمس قد اصبحت أختي بعهد الله ولن ارضى لها ما لا أرضاه لأختي
    أن هذه الأخت التي في منزلي أسأتم إليها ا شر اساءة .وكانت غلطتك بحقها كبيرة جداََ وعظيمة ولا بد ان تقوم بفعل كبير جداََ وعظيم كي تستردها , قال الرجل وانا أوافق على شروطك . قال والدي لقد طعنتم المرأة بشرفها وحاولتم قتلها وهي بريئة ناصعة كالثلج. وعليكم رد اعتبارها وضمان سلامتها بحضور جميع الوجهاء والمختار وشيخ العقل وأن تتعهد خطيا بالحفاظ عليها بعد أن تدفع لها مهرا شرفيا وصداقا جديدا أحدده انا .وكان بعض الوسطاء قد تفهم الأمر وأثنى على موقف والدي مؤيدا ومستعدا للعودة مع لمختار ورجال الدين وقد أخذت هذه المسألة بعض الوقت إلى أن تدبر الرجل أمره وجمع الجاهة على أفضل مستوى وقدموا إلى بيت والدي كجاهة و تكفل هذا الرجل بحسن معاملة زوجته وصون حياتها وشرفها وقد كتب الرجل صداقا اي مؤخر على نفسه واستعاد زوجته معززه مكرمه.................... يتبع


    _________________

    الخيل والليل والبيداء تعرفني:: والسيف والرمح والقرطاس والقلم 



     


     

    avatar
    ابو سعود
    عضو نشيط
    عضو نشيط

    العمر : 45
    الموقع : الامارات

    رد: قصة رجل من القرن التاسع عشر

    مُساهمة  ابو سعود في الخميس أبريل 22, 2010 8:46 am




    ابو ايمن
    سأقولها بالعامية انو مين خلف ما مات
    رحم الله جدي واسكنه فسيح جناته
    كما رحم الله جدتي الغالية التي ضحت بشبابها وناضلت في
    مجتمع لا يعرف الرحمة في سبيل تربية ابناءها
    على الكرامة والمثل والاخلاق النبيلة
    وانك انت خير دليل على ذلك وفقك الله
    ودمت بعطاءك
    avatar
    دلال
    العضو الماسي
    العضو الماسي

    رد: قصة رجل من القرن التاسع عشر

    مُساهمة  دلال في الخميس أبريل 22, 2010 4:14 pm

    استاذنا تيسير
    هذا الموقف الذي وقفه الوالد رحمه الله
    يدل على نبل الاخلاق الرفيعه وسمو النفس والحكمة في التعامل مع االمواقف الحساسه
    شكرا لك ونحن بأنتظار المزيد
    تحيتي لك


    _________________
    يا دمشق البسي دموعي سواراً ****** وتمنّي .. فكلُّ شيء يهونُ
    وضعي طَرحَةَ العروس لأجلي ****** إنَّ مَهْرَ المُناضلات ثمينُ
    avatar
    najwa

    رد: قصة رجل من القرن التاسع عشر

    مُساهمة  najwa في الخميس أبريل 22, 2010 6:22 pm

    لقد ابكيثني يا احي ما اجمل احاسيسك المنتورة بين السطور
    في انثظار المزيد
    avatar
    تيسير نصرالدين
    مشرف عام
    مشرف عام

    العمر : 60
    الموقع : ميلانو

    رد: قصة رجل من القرن التاسع عشر

    مُساهمة  تيسير نصرالدين في السبت أبريل 24, 2010 6:34 am

    شكرا لتفاعلكم
    الحقيقة أن الذاكرة مليئة بمآثر هذا الرجل
    لكنني تناولت زاوية محددة وحدث من تبعاتها كنت شاهد عليه
    سانهي بحلقة اخيرة قريبا جدا .


    _________________

    الخيل والليل والبيداء تعرفني:: والسيف والرمح والقرطاس والقلم 



     


     

    avatar
    تيسير نصرالدين
    مشرف عام
    مشرف عام

    العمر : 60
    الموقع : ميلانو

    رد: قصة رجل من القرن التاسع عشر

    مُساهمة  تيسير نصرالدين في السبت أبريل 24, 2010 5:28 pm

    -6-
    هذه القصة التي رواها لنا والدي بالتأكيد كانت الطريق إلى جوهر الحدث الذي حصل معه في شعبة التجنيد , ومن المفروض أن تكون قد طوتها الأيام مع ما طوته من حياة مديدة متنوعة غنية بكل ما فيها ,حيث تخللها الكثير الكثير من مواقف وأحداث ومعاناة كان منها خمس سنين قضاها مسجونا على ايدي الفرنسيين في لبنان قبل ان يعود أدراجه إلى قريته..
    كما عادت بعض العائلات المقيمة في لبنان ليرجع كل منهم إلى دياره .
    كانت الأوطان تعاني من الفقر والجهل واالجوع والإستعمار , حتى السماء قد عاقبت أهل هذه البلاد ولم تمطر خمس سنوات متتالية لتترك مجتمعات رعوية وزراعية كل اعتمادها على المطر والرعي دون موارد حتى أن خبز الشعير كان قد أصبح نادرا .
    بدأت الناس تسعى خلف الزرق وتنتشر في بلاد الله لتلتقط قوت يومها وتسد رمق أبنائها ومنهم من بدأ يعمل في قوافل باتجاه الأردن وتتكون القافلة من مجموعة من رجال لا بد أن يكونوا قادرين على حماية حمولتهم حيث كثر التكسير وقطع الطرق والتشليح بسبب المجاعات وكان والدي واحد من هؤلاء الرجال وكانوا يقطعون المنطقة الجنوبية باتجاه الازرق في الاردن قاطعين بعض القرى ومن هذه القرى كانوا يمرون بقرية ملح جنوبا عبر طريق القوافل. .
    طبعا مازال للحديث بقية حيث سيكمل والدي حكايته ليخبرنا أنه في إحدى الرحلات وخلال عبوره قرية ملح مع رفاقه وكانوا يتجهون نحو بركة للماء تتوسط القرية كي ترد الإبل وإذا بشخص يظهر وسط الساحة مهللا ومرحبا هاتفا باسم والدي , عرف والدي أن هذا الرجل هو نفسه صاحب الحكاية ماغيره .
    فدعاهم الرجل إلى بيته مصرا على ان تشرب الإبل في بيته قائلا لوالدي والله الاّ ان تشرب الإبل جميعها في دارنا وتمالحنا الرجال زادنا ولن اقبل باقل من هذا .
    كان هذا اللقاء الأخير لوالدي مع هذه العائلة وذهب كل حي في سبيله إلى أن جائت هذه المناسبة وذهب اخي إلى شعبة التجنيد وقد حصل معه ماحصل , لذلك حين قال والدي لرئيس الشعبة سلم على الوالدة وسأعود أنا بعد عطلة نهاية الإسبوع كان يعلم جيدا أن هذا الشاب هو ابن هذه السيدة التي حماها والدي .
    ومن هنا تبدأ حكاية التأجيل وحماس الشاب الذي كان رافضا للتأجيل لمساعدة الوالد بعد أن استمع إلى القصة من والدته وقالت لها هذا خالك يا بني هذا الرجل الذي أنقذ حياتي وستر عرضي وحفظ كرامتي والله لا نكافئه على فضله لو فرشنا له القلوب تحت أقدامه .
    كانت هذه هي القصة التي رواها لنا الوالد بعد عودته وحصوله على التأجيل , كان والدي سعيدا و مبتهجا بلقاء ذلك الشاب الذي ناداه حين دخل عليه أهلين بالخال.
    هذهقصة حقيقية من حياة هذا الرجل والتي تتعلق بهذا الحدث بالذات ,وقد قفزت فوق تفاصيل كثيرة وأحداث كثيرة تحاشيا للإنسياق في قنوات أخُرى و حاولت بقدر استطاعتي ان أكون دقيقا راجيا أن أكون قد نجحت بذلك .
    تمت


    عدل سابقا من قبل تيسير نصرالدين في الأحد أبريل 25, 2010 7:19 pm عدل 1 مرات


    _________________

    الخيل والليل والبيداء تعرفني:: والسيف والرمح والقرطاس والقلم 



     


     

    avatar
    سوسن سين
    عضومميز
    عضومميز

    الموقع : سوريا

    صة رجل من القرن التاسع عشر

    مُساهمة  سوسن سين في الأحد أبريل 25, 2010 4:43 pm

    لقد كان سردك للوقائع مميزا وجعلتنا ننتظر لنعرف جانبا صغيرا من ماّثر الوالد رحمه الله فكنت حقا مبدعا
    وتعلمنا من هذه السيرة ان ما من عمل جميل الا وسيأتي يوم وننال جزاء هذا العمل
    ل
    avatar
    تيسير نصرالدين
    مشرف عام
    مشرف عام

    العمر : 60
    الموقع : ميلانو

    رد: قصة رجل من القرن التاسع عشر

    مُساهمة  تيسير نصرالدين في الأحد أبريل 25, 2010 7:23 pm

    اختي سوسن يسعدني ان ما كتبته قد نال إعجابك
    اشكر قرائتك ومرورك على موضوعي


    _________________

    الخيل والليل والبيداء تعرفني:: والسيف والرمح والقرطاس والقلم 



     


     


      الوقت/التاريخ الآن هو الأربعاء أغسطس 23, 2017 4:28 am